مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله
الرحمن الرحيم
( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم ( 98 ) ( النحل )
إن الآية الكريمة تطلب من المسلمين والمؤمنين
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل أن نقرأ القرآن لأن كل مخلوق إذا اتجه إلى
خالقه واستعاذ به يكون هو الأقوى رغم ضعفه وهو الغالب رغم عدم قدرته لأن الله
عندما يكون مع الإنسان المسلم والمؤمن تكون قدرته وقوته فوق كل قدرة وأعلى من كل
قوة لأن الإنسان جعل الله سبحانه وتعالى فى جانبه وحين يقرأ المسلم القرآن لا بد
أن يصفى جهاز استقباله لحسن استقبال كلام الله عز وجل وفى هذه الحالة لا يتم فعل
ذلك بقدرات الإنسان ولا بقوته ولكن بالاستعانة بقوة وقدرة الله عز وجل لماذا ؟ لأن
معوقات المنهج عند الإنسان المؤمن إنما هى من عمل الشيطان .
وابليس يأتى دائما من الباب الذى يرى فيه
المنهج ضعيفا فإذا وجد إنسانا متشددا من ناحية يأتى له من ناحية أخرى فلو أن العبد
المؤمن متشدد فى الصلاة يحافظ عليها ويؤديها فى أوقاتها جاءه ابليس من ناحية المال
يوسوس له بأنه لا يخرج الزكاة لأنها ستؤدى به إلى الفقر ويوسوس له أن يأكل حقوق
الناس مدخلا السرور إلى نفسه بالوهم بأنه سيصبح غنيا آمنا مطمئنا على غده وهذا كذب
.
والحقيقة هى التى رواها رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين قال ( ما نقص مال من صدقة ) والصدقة هى التى تكثر المال وتضع فيه
البركة فيزداد وينمو والمال هو مال الله ينتقل من يد إلى يد فى الدنيا ثم يموت
الإنسان ويتركه ولكن ابليس يستغل غفلة الناس عن هذه الحقيقة ليدفعهم إلى المال
الحرام فإذا كان الإنسان متشددا من ناحية المال جاءه من ناحية المرأة فيظل يزين له
إمرأة خليعة يوسوس له حتى يسقط فى الزنا وإن كان قويا فى هذه النواحى كلها زين له
ابليس الخمر أو مجلس السوء أو النميمة والغيبة حيث إن ابليس يظل يدور حول نقط
الضعف فى الإنسان ليسقطه فى المعصية .
فإن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إنما
تجعل الله سبحانه وتعالى يقوى نقط الضعف فى الإنسان فلا يستطيع الشيطان أن ينفذ
إلى الإنسان المسلم والمؤمن والإنسان المسلم والمؤمن الذى يقرأ الإنسان ليضع فى
رأسه هواجس تلهيه عن قراءة القرآن لأن عطاء الله فى القرآن الكريم يساوى بين جميع
الخلق فعطاء القرآن متساو ولكن كل إنسان يأخذ على قدر ايمانه فالقرآن يقرأ والناس
تسمع ولكن هل يتقبل الجميع القرآن تقبلا متساويا ؟ لا فقد قال الله سبحانه وتعالى
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ
عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ
الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ( 16 ) (
محمد )
أى أن القرآن الكريم لم يؤثر فيهم ولكنه أثر
فى المؤمنين الذين استمعوا إليه مصداقا لقوله جل جلاله ( ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا
فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ( 44 ) ( فصلت )
فالقرآن عطاؤه للجميع ولكن المهم من يستقبله وكيف يستقبله عندما يتلى
عليه والله سبحانه وتعالى يريد الناس أن يقرءوا القرآن وأن يبعدوا الشيطان عن
أنفسهم قبل أن يبعد الشيطان الناس عن منهج الله وعن آياته وبما أن الناس لا يرون
الشيطان والشيطان يرى الناس فالناس لا يعرفوا أين مكان الشيطان بينما الشيطان يعرف
أين يوجد الناس مصداقا لقوله تبارك وتعالى :
( يَٰبَنِےٓ
ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ
اَ۬لْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآۖ
إِنَّهُۥ يَر۪يٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمُۥٓۖ إِنَّا
جَعَلْنَا اَ۬لشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلذِينَ لَا يُومِنُونَۖ (26) ( الأعراف )
فلا بد من الاستعاذ بقوة الله عز وجل التى
تستطيع أن تقهر الشيطان وتدمره فالله سبحانه وتعالى طلب من الناس أن يستعيذوا
بالله واللجوء إلى الله لأن الله هو القادر على أن يحمى الناس ويصفى قلوب ونفوس
الناس من همزات الشياطين فيحسن استقبال الناس للقرآن الكريم لأنه إذا صفى الإنسان
نفسه لاستقبال القرآن فإن آياته الكريمة تمس قلب ونفس الناس ونكون للإنسان هدى
ونورا .
والشيطان قد قضى الله سبحانه وتعالى فى أمره
فطرده من رحمته وجعله رجيما مبعدا والشيطان يعرف أن مصيره النار ويعتقد أن آدم هو
السبب لأن بداية المعصية كانت رفض ابليس طاعة أمر الله فى السجود لآدم حيث أن
القرآن الكريم ( قالَ مَا
مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذَ اَمَرْتُكَۖ قَالَ أَنَا خَيْرٞ مِّنْهُ
خَلَقْتَنِے مِن نّ۪ارٖ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٖۖ (11) ) ( الأعراف
)
وكانت معصية ابليس فى القمة لأنه رد الأمر
على الأمر وقال لن أطيع ولن أسجد لآدم لأنى خير منه هو من طين وأنا من نار فكأنه
لم يرض بحكم الله سبحانه وتعالى وأراد أن يعدله وهذه معصية فى القمة جعلت الله
تبارك وتعالى يطرد ابليس من رحمته ويصفه بأنه رجيم حيث إن مصيره النار وأن الله لن
يغفر له .
وبدأ ابليس بغواية آدم عليه السلام فآدم عاش
فى جنة تعطيه مقومات حياته بلا تعب ولا عمل وكان فى الجنة ألوف الأشجار تعطى كل
الثمرات وهى حلال لآدم وحواء يأكلان منها ما يشاءان ما عدا شجرة واحدة حرمها الله
عليهما وكانت هذه الشجرة هى بداية الخطيئة حيث بدأ ابليس بإغراء آدم وحواء على المعصية
كيف ؟ حيث حاول اقناعهما بأن عدم الأكل من هذه الشجرة سيحرمهما من خير كبير واقرأ
قول القرآن الكريم .
( فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَ۬لشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ
عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَاۖ وَقَالَ مَا نَه۪يٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ اِ۬لشَّجَرَةِ
إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَ۬لْخَٰلِدِينَۖ
(19) (
الأعراف )
وفى اغواء آخر ( وَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ
عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ (120) ( طه )
وهكذا نعرف أن ابليس يأتى للإنسان من أكثر من
زاوية لذلك كانت الزاوية الأولى هى أن هذه الشجرة من يأكل منها يكون ملكا أو يكون
خالدا وكان الاغواء الثانى أن هذه الشجرة تعطى لمن يأكل منها بجانب الخلود ملكا لا
ينتهى
فإبليس يصور للإنسان أن ما منعه الله عنه هو
الخير وأنه لو عصى سيحصل على المال والنفوذ فلقد أكل آدم وحواء من الشجرة فلم
يخلدا ولم يأت لهما ملك لا ينتهى بل ظهرت عواراتهما وعرفا أن ابليس كان كاذبا وأن
الله سبحانه وتعالى بمنهجه وما ينهانا عنه إنما كان يريد لهما الخير .
ولكن الشيطان يأتى ويزين للإنسان طريق الباطل
ولو أن آدم كان قد حكم عقله لعرف كذب وسوسة ابليس فابليس كما يدعى كان يدل آدم على
شجرة الخلد ولو أن هذه الشجرة كانت تعطى الخلد فعلا لما طلب ابليس من الله تبارك
وتعالى أن يبقى على حياته إلى يوم القيامة بل لأكل من الشجرة ونال الخلد .
ولكن ابليس دخل من ناحية الغفلة فى النفس
البشرية ليوقع آدم فى المعصية وهو يدخل إلى أبناء آدم من ناحية الغفلة ولو أن
أبناء آدم حكموا عقولهم وهم يعرفون بوجود عداوة مسبقة بين آدم وابليس وأن ابليس
طلب من الله سبحانه وتعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة لينتقم من آدم وأولاده
بإغوائهم على المعصية حيث يجب أخذ الحذر من الشيطان الرجيم ( ابليس ) وعندما تنكشف
وسوسة الشيطان فإنه يهرب .
ابليس دخل إلى ناحية الغواية بأن أقسم بعزة
الله وأن الله عزيز لا يحتاج لخلقه ولا يضره سبحانه وتعالى من كفر ولا يزيد شيئا
فى ملكه من آمن حيث استغل عزة الله فى استغنائه عن خلقه فقال كما يروى القرآن
الكريم
|
ولكن الحق تبارك وتعالى أخبرنا أنه طرد ابليس
من رحمته وسماه رجيما حتى نعرف أنه لن يدخل فى رحمة الله أبدا . فابليس دخل إلى غواية بنى آدم بعزة الله سبحانه
وتعالى عن خلقه فلو أن الله أراد خلقه جميعا مهديين ما استطاع ابليس أن يتقدم
ناحية واحد منهم واقرأ قوله سبحانه : (ن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ
ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ (4) ) ( الشعراء ) إذن الله سبحانه وتعالى هو الذى أعطى للإنسان
حق الاختيار ولو شاء لجعله مقهورا على الطاعة كباقى الخلق من نقطة الاختيار
وقوله تبارك وتعالى : |
فالله سبحانه وتعالى بين لنا طريق الهدى
وطريق المعصية ثم ترك للإنسان أن يختار طاعة الله ورحمته أو معصية الله وعذابه ولم
يعطى الحق تبارك وتعالى للإنسان إلا فى فترة محدودة هى حياة الإنسان فى الدنيا
فعندما يحتضر الإنسان تخمد بشريته ويصبح لا اختيار له كما أن الله عز وجل لم يعطى
الإنسان الاختيار فى كل أحداث الدنيا بل أعطا للإنسان المنهج فى الطاعة أو المعصية
. ولكى نتقى الشيطان فى حياة الإنسان يشرح القرآن الكريم كيف سيغوى ابليس بنى آدم
واقرأ القرآن الكريم
|
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ
لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ( الأعراف ) أى أن ابليس لا يجتهد
فى إغواء من باع نفسه للمعصية وانطلق يخالف كل ما أمر به الله فالنفس الأمارة
بالسوء لها شيطانها وهى ليست محتاجة إلى اغواء لأنها تأمر صاحبها بالسوء فإن
ابليس لا يذهب إلى الخمارات وبيوت الدعارة ويبذل جهدا فى اغواء من يجلسون فيها
لأن كل من ذهب إلى الخمارات وبيوت الدعارة هو من شياطين الانس ولكن ابليس يذهب
إلى مهابط الطاعة وأماكن العبادة فالشيطان يبذل معهم كل جهده وكل حيلة ليصرفهم
عن عبادة الله فلابد أن ينبه الإنسان إلى أن ابليس لم يقل لأقعدن لهم على الطريق
المعوج فالطريق المعوج بطبيعته يتبع الشيطان فإبليس يريد أهل الطاعة يزين لهم
المعصية ويغريهم إلى المال الحرام فالقرآن الكريم يقول : ( |
|
هذه هى جهات الغواية التى يأتى منها ابليس من
بين أيديهم أى من أمامهم وهذه هى الجهة الأولى ومن خلفهم أى من ورائهم وهذه هى
الجهة الثانية وعن أيمانهم أى من اليمين وهذه هى الجهة الثالثة وعن شمائلهم أى
من الشمال وهذه هى الجهة الرابعة وكلنا نعلم أن الجهات ست وليست أربعة فما هى
الجهتان اللتان لا يأتى منهما الشيطان ؟ هما فوق وتحت فهرب ابليس من هاتين
الجهتين بالذات ولم يقل سأتى لهم من فوقهم أو تحتهم لأنه يعلم أن الجهة العليا
تمثل الفوقية الالهاية وأن الجهة السفلى تمثل العبودية البشرية حينما يسجد
الإنسان لله فابتعد ابليس عن هاتين الجهتين . ومن العجيب فعن طريق النظر لأبواق الالحاد فى
كل عصر نجدها تأتى من الجهات التى يأتى منها الشيطان فعن طريق التقدم للأمام
والرجوع جهة الخلف واليمين جهة اليمين ويسارى جهة اليسار حيث أن المسلمون ليسوا
فى أى جهة من هذه الجهات لا تقدميين ندعو إلى التحلل والفجور ولا رجعين نقول هذا
ما وجدنا عليه آبائنا ولا يسارين ننكر الدين ونناصر الكفر ولا يمينين نؤمن
بالرأسمالية واستغلال الإنسان ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة محمدية
فوقية وكل أمور الإنسان من الله وما دامت أمور الإنسان من الله سبحانه وتعالى
فالمؤمنون لا يخضعون لمساوئهم ولكنهم يخضعون لله العلى القدير وما دامت تخضع
لأعلى منك فلا ذلة أبدا بل عزة ورفعة مصداقا لقوله تبارك وتعالى : |
(
المنافقون ) .
فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة محمدية
فوقية تعلن عبوديتها وخضوعها لله وتتبع منهج السماء ( منهج الله عز وجل ) حيث تميز
المسلمون والمؤمنون عن البشر جميعا لأن كل إنسان فى الدنيا لا يخضع لله سبحانه
وتعالى ولا يأخذ منهجه عنه فهو خاضع لمنهج بشرى وضعه مساو له من البشر والنفس
البشرية لها هوى تريد أن تحققه فهى تضع المنهج الذى يمكنها من أن تتميز به على
الناس فالمنهج الذى نستفيد منه هى وحدها وقد يكون المنهج من وضع مجموعة أفراد أو
طبقة حيث إن مناهجهم لفائدتهم ولكن الله سبحانه وتعالى يضع منهجه ليعطى الإنسان
خيرا لا ليأخذ من الإنسان الخير لأنه جل جلاله مصدر الخير كله وهو ليس محتاجا لما
يملك الإنسان ولا ما يملك كل البشر فالعدل والخير والعزة هى منهج السماء فالله لا
يأخذ من الإنسان ولكن يعطى الإنسان ولا بذلك ولكن بعزك .
حيث يوجد لفتة لابد من الانتباه إليها فهذه
الفوقية هى التى جعلت الله سبحانه وتعالى يختار أمة أمية ليجعل فيها آخر صلة
للسماء بالأرض ويختار من هذه الأمة رسولا أميا أى كما ولدته أمه لم يأخذ ثقافة من
مساويه ولم يتثقف على الشرق أو على الغرب ولم يقرأ لفلان فيتأثر به أو لفيلسوف
فيتبعه ولكن الذى علمه هو الله جل جلاله .
فالأمية شرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم
لأنها تؤكد أن كل ما جاء به هو من الله سبحانه وتعالى فكل ما يأتى به معجزة لأنه
من وحى السماء فلو أن القرآن نزل على أمة متحضرة كالفرس أو الروم أو على نبى غير
أمى قد قرأ كتب الفلاسفة والعلماء من الشرق والغرب لقيل إن القرآن التقاء حضارات
وهبات عقل واصلاحات ليقود الناس حركة حياتهم ولكن لا هى أمة أمية ورسول أمى تأكيدا
لصلتها بالسماء وأن ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام لا دخل لبشر ولا ثقافة ولا
حضارة به وهو ليس من معطيات عقول البشر ولكنه من الحق تبارك وتعالى ليصبح محمد صلى
الله عليه وسلم وهو الرسول الأمى معلما للبشرية كلها حيث إن الشيطان لا يستطيع أن
يقترب من مكان صعود الصلاة وصالح الأعمال إلى السماء ومن مكان الخضوع والعبودية
لله سبحانه وتعالى .
وقد أصر الشيطان على غواية الإنسان حتى لا
يكون هو العاصى الوحيد فما دام عصى وطرد من رحمة الله لماذا يكون هو العاصى الوحيد
؟ لماذا لا يكون الكل عاصيا ؟ وإذا كانت معصية الشيطان بسبب عدم السجود لآدم لماذا
لا يأخذ أولاد آدم معه إلى النار ؟ انتقاما منهم ومن أبيهم فبعض الناس يقول ابليس
عصى وآدم عصى والله سبحانه وتعالى طرد ابليس من رحمته وغفر لآدم حيث يوجد فرق بين
معصية ومعصية فمعصية ابليس كانت معصية فى القمة ترد الأمر الأمر على الأمر نقول لا
لن أسجد ولن أطيع لأننى من نار وهو من طين فكأنه رد الأمر على الأمر أما آدم فقال
يارب أمرك الحق وقولك الحق ومنهجك الحق ولكنى ضعيف لم أستطع أن أحمل نفسى على
الطاعة فسامح ضعفى يا رب ولذلك شرع له الله سبحانه وتعالى التوبة وعلمه كلمات
ليتوب عليه .
فيوجد فرق بين معصيتين معصية تقول لن أطيع
لأننى خير منه ومعصية يعترف فيها العبد بالخطأ والضعف ويتجه إلى الله طالبا التوبة
والغفران ورغم أن الله سبحانه وتعالى قد أبلغ الإنسان فى القرآن الكريم أن الشيطان
عدو للإنسان فى الدنيا فى قوله تعالى :
فإن الإنسان لا يحتاط ففى كل مرة نقرأ فيها
القرآن يريد الله سبحانه وتعالى أن نستعيد به من الشيطان الرجيم حتى إذا كان
الشيطان قد مس الإنسان أو غلبه فى حدث من أحداث الحياة فإن الله سبحانه وتعالى
يبعد الشيطان عن الإنسان الذى يقرأ القرآن حتى يصفو قلبه ونكون قد تم ابعاد
الشيطان وما حاول أن يوسوسه للإنسان ليبعد الإنسان عن المنهج
فعندما نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيوجد
مستعاذ به وهو الله تبارك وتعالى من الشيطان والشيطان من خلق الله والإنسان من خلق
الله فمن الممكن أن ينفرد خلق لله بخلق لله ويكون القوى بقوته أما إذا التحم
أحدهما بخالقه فالثانى لا يقدر عليه والإنسان إذا ترك نفسه للشيطان انفرد الشيطان
به فنستعيذ بالله الذى خلق الإنسان وخلق الشيطان فيعين الله عز وجل الإنسان على
الشيطان حيث نجد قوما مؤمنين وقوما كافرين فإن ظل المؤمنون موصولين بربهم لا
يهزمهم الكفار أبدا فإذا بعدوا عن منهج الله يهزمهم الكفار لأنه فى هذه الحالة
يكون القتال بين فئتين حيث ابتعد المؤمنون عن الله فعندما ينفرد خلق بخلق فالقوى
هو الذى يغلب أما إذا احتمى خلق بخالقهم فلا يقدر عليهم أحد فالبشر يقدر على البشر
إذا بعدت الفئتان عن الله فإن كانت الفئتان معتصمتين بالله فلن يتقاتلا .
والحق تبارك وتعالى يريد الإنسان أن يقرأ
القرآن أن يصفى الإنسان جهاز استقباله تصفية تضمن حسن استقبال الإنسان للقرآن بأن
يبعد القرآن نزع الشيطان حينئذ يستقبل الإنسان القرآن بصفاء ونأخذ منه كل عطاء
فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم يكون الإنسان فى جانب عليه فلا يأتى
الشيطان للإنسان أبدا حيث سيأتى الشيطان يوم القيامة ليقول لمن أغواهم كما يروى
القرآن الكريم :
( وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ
إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ
فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن
دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ
مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ
أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (22) ( ابراهيم )
فالشيطان ليس له سلطان على الإنسان أن يقهره
على فعل لا يريده أى ليس له سلطان القهر وليس له سلطان على أن يقنع الإنسان
بالمعصية ( سلطان الحجة ) فالسلطان نوعان قهر لمن لا يريد الفعل واقناع يجعل
الإنسان تقبل الفعل والإنسان راض فالشيطان ليس له سلطان القهر على عمل لا يريده
الإنسان وليس له سلطان الحجة ليقنع الناس بأن يفعلوا ما لا يرضون أن يفعلوه ولكن
المسألة أن وسوسة الشيطان وجدت هوى فى نفوس الناس فاتبعوه .
والله سبحانه وتعالى يريد أن يمنع عن الناس
وسوسة الشيطان أثناء قراءة القرآن ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذى خلق الشيطان
وهو الذى أعطاه القدرة على أن يوسوس للإنسان لماذا ؟ لأنه لو أن الطاعة وجدت بدون
مقاوم لا تظهر حرارة الإيمان ولا قوة الاقبال على التكليف وإنما عندما يوجد اغراء
وإلحاح فى الإغراء والإنسان متمسك بالطاعة فهذا دليل على قوة الإيمان كما أن
الإنسان لا يعرف قوة أمانة موظف إلا إذا تم اغراؤه برشوة فلو أنه لم يتعرض لهذا
الاغراء لن تختبر أمانته أبدا ولكن إذا تعرض للاغراء وتمسك بأمانته ونزاهته فهذه
هى الأمانة .
والله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الاختيار
لأنه يريد من خلقه من يطيعه وهو قادر على معصيته ويؤمن به وهو قادر على عدم
الإيمان لأن هذه تثبت صفة المحبوبية لله الخلق المقهور لله يأتى له قهرا لا يقدر
على المعصية وهذا يثبت القهر والجبروت لله ولكن الحق سبحانه وتعالى أراد خلقا
يأتيه عن حب وقد يكون الحب من أجل عطاء الله فى الآخرة ونعيمه وجنته فلا يضن الله
على عباده بها وقد يكون عن حب لذات الله فيقول بعض أهل الصفاء فى معنى الآية
الكريمة
|
إن الجنة أحد لأن الحق
سبحانه وتعالى قال ( ومن كان يريد لقاء ربه ) أى الأنس بلقاء الله فإن كان
الإنسان يعمل للذات وليس للعطاءات فالإنسان يكون فى أنس الله يوم القيامة والذى
عمل للجنة سيأخذها والذى عمل لما هو فوق الجنة يأخذه أو لم يخلق الله تعالى
جنة ونارا أما كان أهلا لأن يعبد ؟ ( اللهم إن كنت تعلم أنى أعبدك طمعا فى جنتك
فاحرمنى منها وإن كنت تعلم أنى أعبدك خوفا من نارك فأرسلنى فيها أنا أعبدك لأنك
تستحق أن تعبد ) . والحق سبحانه وتعالى
يريد من الإنسان عندما يقرأ القرآن أن يصفى نفسه له سبحانه وتعالى وهو جل جلاله
يعلم مكائد الشيطان ومداخله إلى النفس البشرية وأنه سيوسوس للإنسان ما يفسد على
الإنسان فطرته الإيمانية فيأتى القرآن على فطرة فسدت فلا يحدث استقبال لفيوضات
القرآن على النفس البشرية ولكن إذا تم الاستعاذة بالله فقد تم الاستعاذ بخالق
فلا يجرؤ الخلق على الاقتراب من الإنسان الذى استعاذ بالله من الشيطان الرجيم
فإن أراد الإنسان من جهاز استقباله أن يكون صالحا لصفاءات الارسال سامعا لكلام
الله لأن الله هو الذى يتكلم فالقرآن ليس كلام القارىء له ولكنه كلام الله
سبحانه وتعالى فلقد قال جعفر الصادق رضى الله عنه وكان أكثر آل بيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم معرفة بأسرار القرآن الكريم حيث إن مفزعات الحياة عند
الإنسان فالخوف والغم والهم والضر وزوال النعمة قال عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى
قول الله سبحانه وتعالى ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فقد سمعت الله بعدها يقول (
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ) وعجبت لمن ابتلى بالضر ولم يفزع
إلى قول الله سبحانه وتعالى ( إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ) فقد سمعت الله
بعدها يقول ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ) وعجبت لمن ابتلى بالغم كيف لم
يفزع إلى قول الله تعالى ( لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين ) فقد
سمعت الله بعدها يقول ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين )
وعجبت لمن أضير ولم يفزع لقول الله سبحانه وتعالى ( وأفوض أمرى إلى الله إن الله
بصير بالعباد ) فقد سمعت الله تعالى بعدها يقول ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) . والإنسان ما دام فى
معية خالقه فلا يجرؤ الشيطان أن يذهب إليه أبدا وحين كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى غار ثور ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوم الهجرة والكفار عند
مدخل الغار بسلاحهم ماذا قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه ؟ قال لو نظر أحدهم
تحت قدمه لرآنا وهذا واقع لا يكذب إلا بصفاء إيمانى فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لصاحبه ( ما ظنك باثنين الله
ثالثهما ) وهو ما تشير إليه الآبة الكريمة بقوله تعالى : ( التوبة ) . فرسول الله صلى الله
عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه كلاهما فى معية الله ولكن هل كونهما
فى معية الله رد على قول أبى بكر الصديق لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا نقول نعم
لأنهما فى معية الله والله لا تدركه الأبصار فلا تدرك رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبا أبكر الأبصار ما داما فى معية الله . |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق