الثلاثاء، 7 أبريل 2026

تفسير الفاتحة للشعراوى آية ( 1 و 2 )

 

تفسير الفاتحة للشعراوى ( 1  )

( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم )

( الحمد لله ب العالمين ( 1 ) الرحمن الرحيم ( 2 ) )

الفاتحة فاتحة الكتاب هى أم الكتاب لا تصلح الصلاة بدونها فالإنسان المسلم والمؤمن فى كل ركعة يستطيع أن يقرأ آية من القرآن الكريم تختلف عن الآية التى تم قراءتها فى الركعة السابقة وتختلف عن الآيات التى تمت قراءتها فى صلوات الإنسان المسلم والمؤمن ولكن إذا لم يتم قراءة الفاتحة فسدت الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهى خداج ثلاثة غير تام ) أى غير صالحة .

فالفاتحة أم الكتاب التى لا تصلح الصلاة بدونها والله سبحانه يقول فى حديث قدسى ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله عز وجل حمدنى عبدى فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله عز وجل أثنى على عبدى فإذا قال مالك يوم الدين قال الله عز وجل مجدنى عبدنى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله عز وجل هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله عز وجل هذا لعبدى ولعبدى ما سأل      .

ويجب الانتباه أنه يوجد ( 3 أسماء ) لله قد تكررت فى بسم الله الرحمن الرحيم وفى فاتحة الكتاب والأسماء هى ( الله / الرحمن / الرحيم ) حيث أنه لا يوجد تكرار فى القرآن الكريم وإذا تكرر اللفظ فيكون معناه فى كل مرة مختلفا عن معناه فى المرة السابقة لأن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى فهو يضع اللفظ فى مكانه الصحيح وفى معناه الصحيح .

( بسم الله الرحمن الرحيم ) هو استعانة بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء فلفظ الجلالة ( الله ) فى بسم الله معناه الاستعانة بقدرات الله سبحانه وتعالى وصفاته لتكون عونا لنا على ما نفعل ولكن إذا قلنا الحمد لله فهى شكر لله على ما فعل لنا حيث أن البشر لا يستطيعوا أن يقدموا الشكر لله إلا إذا تم استخدام لفظ الجلالة الجامع لكل صفات الله تعالى لأن البشر يحمدون الله على كل صفاته ورحمته بالبشر حتى لا يقال بسم القهار وبسم الوهاب وبسم الكريم وبسم الرحمن حيث نقول الحمد لله على كمال صفاته فيشمل الحمد كمال الصفات كلها .

ويوجد فرق بين ( بسم الله ) الذى نستعين به على مالا قدرة لنا عليه لأن الله هو الذى سخر كل ما فى هذا الكون وجعله يخدمنا وبين ( الحمد لله ) فإن لفظ الجلالة إنما جاء لنحمد الله على ما فعل لنا فكأن بسم الله فى البسملة طلب العون من الله بكل كمال صفاته وكأن الحمد لله فى الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته .

و ( الرحمن الرحيم ) فى البسملة لها معنى غير ( الرحمن الرحيم ) فى الفاتحة ففى  البسملة هى تذكرة برحمة الله سبحانه وتعالى وغفرانه حتى لا نستحى ولا نهاب أن نستعين بسم الله أن كنا قد فعلنا معصية فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما فى كل أعمالنا فإذا سقط واحد منا فى معصية قال كيف أستعين بسم الله وقد عصيته ؟ فعن طريق الدخول عليه سبحانه وتعالى من باب الرحمة فيغفر لك وتستعين به فيجيبك .

 

والإنسان حين يسقط فى معصية تستعيذ برحمة الله من عدله لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

واقرأ قول الله تعالى :

) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ( الكهف ) .

ولولا رحمة الله التى سبقت عدله ما بقى للناس نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض فالله جل جلاله يقول : (  وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (61)  ( النحل ) .

فالإنسان خلق ضعيفا وخلق هلوعا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا أحد يدخل الجنة أحدكم بعمله إلا أن يتفمدنى الله برحمته قالوا حتى أنت يارسول الله قال : حتى أنا .

فذنوب الإنسان فى الدنيا كثيرة إذا حكم فقد يظلم وإذا ظن فقد يسىء وإذا تحدث فقد يكذب وإذا شهد

فقد يبتعد عن الحق وإذا تكلم فقد يغتاب .

فذنوب الإنسان فى الدنيا يرتمبها بدرجات متفاوتة ولا يمكن لأحد من الناس أن ينسب الكمال لنفسه حنى الذين يبذلون أقصى دينهم بالطاعة لا يصلون إلى الكمال فالكمال لله وحده ورسول الله صلى الله عليه سلم يقول ( كل بنى خطاء وخير الخطائين التوابون ) .

ويصف الله سبحانه وتعالى الإنسان فى القرآن الكريم :

(وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ (34) ( ابراهيم )

فلقد أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمنع المعصية عن الدخول إلى كل عمل بسم الله فعلم البشر أن يقولوا

( بسم الله الرحمن  الرحيم ) لكى نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة بالله وأن المعصية لا تمنع من الاستعانة فى كل عمل بسم الله لأنه رحمن رحيم فيكون الله قد أزال وحشة الإنسان المؤمن من المعصية فى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى :

ولكن ( الرحمن الرحيم ) فى الفاتحة مقترنة برب العالمين الذى أوجد الإنسان من عدم وأمد الإنسان بنعم لا تعد ولا تحصى فالإنسان يحمد الله على هذه النعم التى أخذها برحمة الله سبحانه وتعالى فى ربوبيته حيث إن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة .

والله سبحانه وتعالى رب للمؤمن وللكافر فهو الذى استدعاهم جميعا للوجود حيث يعطيهم من النعم برحمته وليس بما يستحقون فالشمس تشرق على المؤمن والكافر ولا تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن

والمطر ينزل على من يعبدون الله ومن يعبدون أوثانا من دون الله والهواء يتنفسه من قال لا إله إلا الله ومن لم يقلها .

وكل النعم التى هى من عطاء الربوبية لله هى فى الدنيا لخلقه جميعا وهذه رحمة فالله رب  الجميع من أطاعه ومن عصاه وهذه رحمة والله قابل للتوبة وهذه رحمة .

ففى الفاتحة تأتى ( الرحمن الرحيم ) بمعنى رحمة الله فى ربوبيته لخلقه فهو يمهل العاصى ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه .

وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه وهذه رحمة تستوجب الشكر فمعنى ( الرحمن الرحيم ) فى البسملة يختلف عنها فى الفاتحة فعن طريق الانتقال لقوله تعالى :

( الحمد لله رب العالمين ) فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته ومحمود لنعمه ومحمود لرحمته ومحمود لمنهجه ومحمود لقضائه الله محمود قبل أن يخلق من يحمده ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له فى كلمتين هما ( الحمد لله ) .

والعجيب أن الإنسان حين يشكر بشرا على جميل فعله حيث تظل ساعات وساعات حيث تعد كلمات الشكر والثناء وتحذف وتضيف وتأخذ رأى الناس حتى نصل لخطاب ملىء بالثناء والشكر لكن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى علمنا أن نشكره فى كلمتين هما ( الحمد لله ) .

حيث إن المبالغة فى الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الإنسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصى فى معاصيه فلنقلل من الشكر والثناء للبشر لأننا نشكر الله لعظيم نعمه على البشر ب ( الحمد لله ) ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علم الإنسان صيغة الحمد فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا الله على الكمال الالهى فمهما أوتى الناس من بلاغة وقدرة على التعبير فهم عاجزون عن أن يصلوا إلى صيغة الحمد التى تليق بجلال المنعم فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصى نعمه أو يحيط برحمته ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز البشرى عن حمد كمال الألوهية لله فقال ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) .

وكلمتا ( الحمد لله ) ساوى الله بهما بين البشر جميعا فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد لتفاوتت درجات الحمد لله بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير فهذا أمى لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التى يحمد بها الله وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع أن يأتى بصيغة الحمد بما أوتى من علم وبلاغة وهكذا تتفاوت درجات البشر فى الحمد طبقا لقدرتهم فى منازل الدنيا .

ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوى بين عباده جميعا فى صيغة الحمد له فيعلمنا فى أول كلماته فى القرآن الكريم أن نقول ( الحمد لله ) ليعطى الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوى المتعلم وغير المتعلم فى عطاء الحمد ومن أوتى البلاغة ومن لا يحسن الكلام .

 فالبشر يحمدون  الله سبحانه وتعالى على انه علم البشر كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا ويظل الله دائما محمودا فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق البشر حيث خلق للبشر موجبات الحمد من النعم فخلق للبشر السماوات والأرض وأوجد للبشر الماء والهواء ووضع فى الأرض أقواتها إلى يوم القيامة والنعمة تستحق الحمد هليها لأنه جل جلاله جعل النعمة تسبق الوجود الانساانى فعندما خلق الإنسان كانت النعمة موجودة تستقبله بل إن الله جل جلاله قبل أن يخلق آدم أبا البشر جميعا سبقته الجنة التى عاش فيها لا يتعب ولا يشقى فقد خلق آدم فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق وحينما نزل آدم وحواء إلى الأرض كانت النعمة قد سبقتهما فوجدا ما يأكلانه وما يشربانه وما يقيم حياتهما ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الإنسانى وخلفت بعده لهلك الإنسان وهو ينتظر مجىء النعمة .

بل إن العطاء الالهى للإنسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق فى رحم أمه فيجد رحما مستعدا لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل فإذا خرج إلى الدنيا يضع الله فى صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع وينتهى عندما تتوقف فترة الرضاعة ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى بستطيع أن يعول نفسه وكل هذا يحدث قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة التكليف وقبل أن يستطيع أن ينطق ( الحمد لله ) .

ونرى أن النعمة تسبق المنعم عليه دائما فالإنسان عندما يقول ( الحمد لله ) فلأن موجبات الحمد وهى النعمة موجودة فى الكون قبل الوجود الإنسانى والله سبحانه ونعالى خلق للبشر فى الكون أشياء تعطى الإنسان بغير قدرة منه ودون خضوع له واإنسان عاجز عن أى بفدم نفسها لهذه النعم التى يقدمها الحق تبارك وتعالى له بلا جهد فالشمس تعطىء الدفء والحياة للأرض بلا نقابل وبلا  فعل من البشر والمطر ينزل من السماء دون أن يكون للإسان جهد فيه أو قدرة على إنزاله والهواء موجود حول الإنسان فى كل مكان نتنفس منه دون جهد من الإنسان ولافدرة والأرض تعطى الثمر بمجرد أن بتم بذر الحبوب ونسقيه بالماء فالزرع ينبت بقدرة الله وفى والليل النهار يتعاقبان نستطبع أن ننام لنرتاح وأن نسعى لحياتنا ولا الإنسان اتى بضوء الله فى الدنيا والإنسان يعمل  بالنهار والليل ينام فيه الإنسان ليرتاح من مصاعب الحياة فى الدنيا ولكن الإنسان يأخذ الراحة فى الليل والعمل بالنهار بقدرة الله دون الله أن تفعل شيئا .

فكل الأشياء لم يخلقها الإنسان ولكنه خلق ليجدها فى الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه ألا نستحق أن نقول ( الحمد لله على نعمة تسخير  الكون لخدمة الإنسان ؟ إنها تقتضى وجوب الحمد لله .

وآيات الله سبحانه وتعالى فى الكون تستوجب الحمد فالحياة  التى وهبها الله للبشر والآيات التى أودعها فى الكون لتدل البشر على أن لهذا الكون خالقا  عظيما فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه مما يفوق فدرة الإسان ولا يستطيع أحد ان يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو أوجد أقمار الكواكب والكواكب القزمة لنفسه فلا أحد مهما بلغ علمه يستطيع أن يدعى أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع   قوانين الكون أو أعطى الأرض غلافها الجوى أو خلق نفسه أو خلق غيره .

فكل الآيات أعطت الدليل على وجود قوة عظمى هى التى أوجدت وهى التى خلقت والآيات ليست ساكنة لنجعلنا فى سكونها ننساها بل هى متحركة لتلفت البشر لخالق الكون العظيم .

فالشمس تشرق فى الصباح فتذكر الخلق باعجاز القرآن وتغيب فى المساء لتذكر البشر بعظمة الخالق وتعاقب الليل والنهار يحدث كل يوم أمام البشر علنا نلتفت ونفيق والمطر ينزل  من  السماء ليذكر باأوهية من أنزله والزرع يخرج من الأرض يسقى بماء واحد حيث إن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله تكوين يختلف عن الآخر ويأتى الحصاد فيختفى الثمر والزرع وياتى موسم الزراعة فيعود من جديد .

كل شىء فى الكون متحرك اليذكر البشر دائما أنه إذا تم النسيان ونتعلم أنه يوجد خالقا عظيما .

 ونستطيع أن نمضى بلا نهاية فنعم الله لا تعد ولا تحصى وكل واحدة منها تدل على وجود الحق سبحانه وتعالى وتعطى الدليل الإيمانى على أن للكون خالقا مبدعا وأنه لا أحد يستطيع أنه لا أحد يستطيع أن يدعى أنه خلق الكون أو خلق ما فيه فالقضية محسومة لله والحمد لله لأنه وضع فى نفوس البشر الإيمان الفطرى ثم أيده بلإيمان عقلى بآياته فى كونه .

بل إن كل شىء فى الكون يقتضى الحمد فإن الإنسان يمتدح الوجود وينسى الموجود فالإنسان حين يرى جوهرة جميلة أو زهرة مبدعة جدا أو أى خلق من خلق الله يشيع فى نفسه الجمال يمتدح هذا الخلق حيث نقول : ما أجمل الزهرة أو الجوهرة أو المخلوق ؟ ولكن المخلوق الذى امتدحته لم يعط صفة الجمال لنفسه فالزهرة لا دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة والجوهرة لا دخل لها فى عظمة خلقها وكل شىء فى الكون لم يضع الجمال لنفسه وإنما الذى وضع الجمال فيه هو الله سبحانه وتعالى فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق بل  نقول الحمد لله الذى أوجد فى الكون ما يذكر بعظمة الخالق ودقة الخلق .

ومنهج الله سبحانه وتعالى يقتضى من الإنسان الحمد لأن الله أنزل منهجه ليرى الناس طريق الخير ويبعدهم عن طريق الشر .

فمنهج الله الذى أنزله على رسله قد عرفنا أن الله تبارك ونعالى هو الذى خلق للإنسان الكون والبشر فدقة الخلق وعظمته تدل على أنه يجب بوجود خالقا عظيما ولكنها لا نستطيع الفول من هو ولا ماذا يريد من البشر لذلك أرسل الله رسله ليقولا إن الذى خلق الكون وخلق الإنسان هو الله تبارك وتعالى هذا يستوجب الحمد ومنهج الله يبين لنا ماذا يريد الحق من البشر وكيف يعبدوه وهذا يستوجب الحمد ومنهج الله جل جلاله 

أعطى للإنسان المؤمن الطريق وشرع له اسلوب الحياة تشريعا حقا فالله تبارك وتعالى لا يفرق بين أحد من الناس ولا يفضل أحد على أحد إلا بالتقوى فالبشر خلق متساوون أمام الله جل جلاله .

فشريعة الحق وقول الحق وقضاء الحق هو من الله أما تشريعات الناس فلها هوى تميز بعضها عن بعض وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين فنجد فى كل منهج بشرى ظلمة بشرية .

فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف بينما الشعب كله فى شقاء لأن هؤلاء الذين شرعوا اتبعوا هواهم ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة .

وفى الدول  الرأسمالية أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير ولكن الله سبحانه وتعالى حين نزل للإنسان المنهج قضى بالعدل بين الناس وأعطى كل ذى حق حقه وعلم الإنسان كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى البشرى خاضعة لعدل الله مما يوجب الحمد .

والحق سبحانه وتعالى يستحق من البشر الحمد لأنه لا يأخذ من البشر ولكنه يعطى البشر فالبشر فى كل عصر يحاولون استغلال البشر لأنهم يطمعون لما فى أيدى البشر من ثروات وأموال حيث أن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لما هو موجود فى أيدى البشر حيث إنه يعطى ولا يأخذ من البشر فعنده خزائن كل شىء مصداقا لقوله جل جلاله :

(  وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ (21) وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ (22) ( الحجر )

فالله سبحانه وتعالى دائم العطاء لخلقه والخلق يأخذون دائما من نعم الله فكأن العبودية لله تعطى ولا تأخذ منه وهذا يستوجب الحمد .

والله سبحانه وتعالى فى عطائه يجب أن يطلب منه الإنسان وأن يدعوه وأن يستعين به وهذا يوجب الحمد لأنه يقى الناس الذل فى الدنيا فالإنسان إن طلب شيئا من صاحب نفوذ فلا بد أن يحدد له موعدا أو وقت الحديث ومدة المقابلة وقد يضيق بك فيقف لينهى اللقاء ولكن الله سبحانه وتعالى بابه مفتوح دائما فالإنسان بين يدى الله عندما يريدويرفع يديه إلى السماء ويدعو وقتما يحب ونسأل الله ما يشاء فيعطى ما يريده إن كان خيرا يقبل عليه أو شرا يمنع عنه .

والله سبحانه وتعالى يطلب من الإنسان أن يدعوه وأن نسأله فيقول :

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60) ( غافر )

ويقول سبحانه وتعالى :

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ (   

( 186 ) ( البقرة ) .

والله سبحانه وتعالى يعرف ما فى نفس الإنسان حيث أنه يعطيه دون أن يسأل واقرأ الحديث القدسى : يقول رب العزة : ( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ) .

والله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفد وخزائنه لا تفرغ فكلما سأل الإنسان الله عز وجل كان لديه المزيد ومهما سأله فإنه لا شىء عزيز على الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحققه للإنسان .

فعطاء الله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد ومنعه العطاء يستوجب الحمد .

ووجود الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد فالله يستحق الحمد لذاته ولولا عدل الله لبغى الناس فى  الأرض وظلموا ولكن يد الله تبارك وتعالى حين تبطش بالظالم تجعله عبرة فيخاف الناس الظلم وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله فى الآخرة ليوفيه حسابه وهذا يوجب الحمد أن يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن يوجد يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب فى النار فلا تصيبه الحسرة ويخف احساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن الله قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد .

وعندما نقول ( الحمد لله ) فنحن نعبر عن انفعالات متعددة هى فى مجموعها تحمل العبودية والحب والثناء والشكر والعرفان وكثير من الانفعالات التى تملأ النفس عندما نقول ( الحمد لله ) كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال الله وعطائه فالانفعالات تأتى من النفس وتستقر فى القلب ثم تفيض من الجوارح على الكون كله .

فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان ولكنها تمر أولا على العقل ليعى معنى النعم ثم تستقر فى القلب فينفعل بها وتنتقل إلى الجوارح فأقوم وأصلى لله شاكرا ويهتز جسدى كله وتفيض الدمعة من عينى وينتقل الانفعال كله إلى من حولى .

وعن طريق التفسير فلو كان الإنسان فى أزمة أو كرب أو شىء سيؤدى إلى فضيحة وجاء من يفرج الكرب فيعطى المال أو يفتح للإنسان طريقا أول شىء أننى سأعقل هذا الجميل فأقول أنه يستحق الشكر ثم ينزل المعنى للقلب فيهتز القلب لصانع الجميل ثم تنفعل الجوارح لكى تترجم العاطفة إلى عمل على جميل صنعه شيئا يرضيه ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلى الالتجاء إليه فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس فيمرون بنفس ما حدث لنفس الإنسان فتتسع دائرة الشكر والحمد .

والحمد لله تعطى المزيد من نعم الله مصداقا لقوله تبارك وتعالى :

(إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)  ( ابراهيم )

حيث نعرف أن الشكر على النعمة يعطى المزيد من النعم فنشكر عليها فتعطى المزيد وهكذا يظل الحمد دائما والنعمة دائمة فعن طريق استعراض الحياة كلها فكل حركة فيها تقتضى الحمد عندما ننام ويأخذ الله سبحانه وتعالى أرواحنا ثم يردها إلينا عندما نستيقظ فإن هذا يوجب الحمد فالله سبحانه وتعالى يقول :

(للَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) ( الزمر ) .

فإن مجرد الاستيقاظ من النوم وأن الله سبحانه وتعالى رد علينا أرواحنا وهذا الرد يستوجب الحمد فعن طريق القيام من السرير فالله سبحانه وتعالى هو الذى يعطى القدرة على الحركة ولولا عطاؤه لما استطاع الإنسان أن يقوم وهذا يستوجب الحمد فعن طريق تناول الإفطار فالله هيأ للإنسان طعاما من فضله فهو الذى خلقه وهو الذى أنبته وهو الذى رزق الإنسان به وهذا يستوجب الحمد .

فعن طريق النزول للطريق يسر الله للإنسان ما ينقله إلى مقر عمله وسخره له سواء كان يملك سيارة أو يستخدم وسائل المواصلات فله الحمد وعن طريق التحدث مع الناس فالله سبحانه وتعالى هو الذى أعطى لسان الإنسان القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء لا تنطق وهذا يستوجب الحمد فعن طريق الذهاب للعمل فالله يسر للإنسان عملا يرتزق منه ليأكل حلالا وهذا يستوجب الحمد .

وعن طريق العودة للبيت فالله سخر للإنسان زوجته ورزقهم بالأولاد وهذا يستوجب الحمد فكل حركة حياة فى الدنيا من الإنسان تستوجب الحمد فلا بد أن يكون الإنسان حامدا دائما بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على أى مكروه أصابه لأنه قد يكون الشىء الذى يعتبره شرا هو عين الخير والله تعالى يقول :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19) ( النساء ) .

فالإنسان يحمد الله لأن قضاءه خير سواء أحب الإنسان القضاء أم كرهه فإنه خير للإنسان لأن الإنسان لا يعلم والله سبحانه وتعالى يعلم .

فمن موجبات الحمد أن نقول ( الحمد لله ) على كل ما يحدث للإنسان فى دنياه فالإنسان يرد الأمر إلى الله الذى خلقه فهو أعلم بما هو خير للإنسان .

فاتحة الكتاب تبدأ ( بالحمد لله رب العالمين ) لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب العالمين ؟ نقول إن الحمد لله تعنى حمد الألوهية فكلمة الله تعنى المعبود بحق فالعبادة تكليف والتكليف يأتى من الله لعبيده فكأن الحمد أولا لله ثم يقتضى أن يكون الحمد لربوبية الله على الايجاد من العدم والامداد من العدم لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند كل الناس لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس ولو علم الناس قيمة التكليف فى الحياة لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياة الناس فتمضى حركة الحياة متساندة منسجمة فالنعمة الأولى هى أن المعبود أبلغ منهج عبادته والنعمة الثانية أنه رب العالمين .

فى الحياة الدنيا يوجد المطيع والعاصى والمؤمن وغير المؤمن والذين يدخلون فى عطاء الألوهية هم المؤمنون أما عطاء الربوبية فيشمل الجميع والإنسان يحمد الله على عطاء ألوهيته ونحمد الله على عطاء ربوبيته لأنه الذى خلق ولأنه رب العالمين الكون كله لا يخرج عن حكمه فليطمئن الناس فى الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبية فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق ولا النجوم تستطيع أن تصطدم ببعضها البعض فى الكون ولا الأرض تستطيع أن تمنع انبات الزرع ولا الغلاف الجوى يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا .

فالله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنه رب لكل ما فى الكون فلا تستطيع أى قوى تخدم الإنسان أن تمتنع عن خدمته لأن الله سبحانه وتعالى مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق إنه رب العالمين وهذه توجب الحمد أن يهيىء الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه بل جعله سيدا فى كونه فإن الإنسان المؤمن لا يخاف الغد وكيف يخافه والله رب العالمين إذا لم يكن عنده طعام فهو واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين وإذا صادفته أزمة فقلبه مطمئن إلى أن الله سيفرج الأزمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكره عليها لأنه رب العالمين الذى أنعم عليه .

فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين لا شىء فى كونه يخرج عن مراده الفعلى أما عطاء الألوهية فجزاؤه فى الآخرة فالدنيا دار اختبار للإيمان والآخرة دار الجزاء ومن الناس من لا يعبد الله هؤلاء متساوون فى عطاء الربوبية مع المؤمنين فى الدنيا ولكن فى الآخرة يكون عطاء الألوهية للمؤمنين وحدهم فنعم الله لأصحاب الجنة وعطاءات الله لمن آمن واقرأ قوله تبارك وتعالى :

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(32) ( الأعراف ) .

على أن الحمد لله ليس فى الدنيا بل هو فى الدنيا والآخرة الله محمود دائما فى الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه وعطاء ألوهيته لمن آمن به وفى الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده واقرأ قوله جل جلاله :

(وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ (74)

( الزمر ) .

وقوله تعالى :

(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10) ( يونس ) .

فبالانتقال لقوله تعالى ( الرحمن الرحيم ) فمن موجبات الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم يعطى نعمه فى الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت الإنسان .

والله لا يحجب نعمه عن عبيده فى الدنيا ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم فى الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية فإن الإنسان لم يجد أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصى نعم الله لأن موجبات الإحصاء أن تكون قادرا عليه فالإنسان لا يقبل على عد شىء إلا إذا كان فى قدرته أن يحصيه ولكن ما دام العد خارج قدرة وطاقة الإنسان فإنه لا يقبل عليه فلن يقبل أحد حتى يوم القيامة على إحصاء نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها .

ولا بد من الالتفات إلى أن الكون كله يضيق بالإنسان وأن العالم المقهور الذى يخدم الإنسان بحكم القهر والتسخير يضيق حين يرى العاصين لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا فحين يرى كل مقهور الإنسان الذى هو فى خدمته عاصيا يضيق واقرأ الحديث القدسى لنعرف شيئا عن رحمة الله بعباده يقول الله عز وجل

( ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادى السماء تقول يا رب إذن لى أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك  ومنع شكرك وتقول البحار يارب اذن لى أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول الجبال يا رب إذن لى أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك فيقول الله تعالى دعوهم دعوهم لو خلقتموهم ارحمتموهم إنهم عبادى فإن تابوا إلى فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ) .

هذه تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم وكيف ضمنت للإنسان بقاء كل ما يخدمه فى الكون مع معصية الإنسان إنها كلها تخدم البشر بعطاء الربوبية وتبقى فى خدمة الإنسان بتسخير الله لها لأنه رحمن رحيم

بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الأرض والسماء وغيرها من المخلوقات فى عالم الجماد والنبات والحيوان نقول نعم أن لها لغة لا يعرفها البشر وإنما يعرفها خالقها ( الله سبحانه وتعالى ) بدليل أنه منذ الخلق الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه يوجد لغة لكل المخلوقات واقرأ قوله جل جلاله :

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين ( 11 ) فصلت فالأرض والسماء فهمت عن الله وقالت له سبحانه وتعالى ( آتينا طائعين ) ألم يعلم الله سليمان منطق الطيرولغة النملة ؟ ألم تسبح الجبال مع داود ؟ فكل خلق الله له ادراكات مناسبة له بل له عواطف         

كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25)

وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26)

وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ(27)

كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28)

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29) ( الدخان ) .

فالسماوات والأرض لهما انفعال يصل إلى مرحلة البكاء فهما لم تبكيا على فرعون وقومه ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلى المطبق لمنهج الله ولقد قال على بن أبى طالب رضى الله عنه

( إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع فى الأرض وموضع فى السماء أما الموضع فى الأرض فهو مكان مصلاه الذى أسعده وهو يصلى فيه وأما الموضع فى السماء فهو مصعد عمله الطيب .

 (

إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد فإن ( مالك يوم الدين ) تستحق الحمد الكبير لأنه لو لم يوجد يوم للحساب لنجا الذى ملأ الدنيا شرورا دون أن يجازى على ما فعل ولكان الذى التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة ارضاء لله قد شقى فى الحياة الدنيا ولكن لأن الله تبارك وتعالى ( مالك يوم الدين ) فقد أعطى الاتزان للوجود كله هذه الملكية ليوم الدين هى التى حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق فى كون الله حيث إن الذى منع الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك بها القوى بالضعيف والظالم بالمظلوم حيث أنه يوجد آخرة وحسابا وأن الله سبحانه وتعالى هو الذى سيحاسب خلقه .

والإنسان المستقيم استقامته تنفع غيره لأنه يخشى الله ويعطى كل ذى حق حقه ويعفو ويسامح فكل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل .

أما الإنسان العاصى فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه فإن ( مالك يوم الدين ) هى الميزان حيث يعرف الإنسان أن الذى يفسد فى الأرض تنتظره الآخرة لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه فتطمئن اطمئنانا كاملا إلى أن عدل الله سينال كل ظالم .

على أن ( مالك يوم الدين ) لها قراءتان ( مالك يوم الدين ) و ( ملك يوم الدين ) والقراءتان صحيحتان والله تبارك وتعالى وصف نفسه فى القرآن الكريم بأنه ( مالك يوم الدين ) ومالك الشىء هو المتصرف فيه وحده فلا يوجد دخل لأى فرد آخر أنا أملك عباءتى وأملك متاعى وأملك منزلى وأنا المتصرف فى هذا كله أحكم فيه بما أراه .

فمالك يوم الدين معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد فى يوم القيامة بدون أسباب وأن كل شىء سيأتى من الله مباشرة دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهرا .

ففى الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس ولكن فى يوم القيامة لا يوجد ظاهرا فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى حيث يقول الله فى وصف يوم الدين :

(كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ (9) ( الانفطار ) .

فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان فى الدنيا لتمضى به الحياة ولكن فى الآخرة لا توجد أسباب الملك فى ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء واقرأ قوله تعالى :

(قلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (26)  ( آل عمران ) .

ولعل قوله تعالى ( تنزع ) تلفت إلى أن أحدا فى الدنيا لا يريد أن يترك الملك ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا رغما عن ارادته والله هو الذى ينزع الملك ممن يشاء

ويوجد سؤال هل الملك فى الدنيا والآخرة ليس لله ؟ نقول الأمر فى كل وقت لله ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك فى الأرض فنجد فى القرآن الكريم قوله تعالى :

(أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ (258) البقرة

والذى حاج ابراهيم فى ربه كافر منكر للألوهية فإنه لم يأخذ الملك بذاته بل الله جل جلاله هو الذى آتاه الملك فالله تبارك وتعالى هو الذى استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك فى الأرض ظاهريا ومعنى أنه ملك يملك ولكنه نابع من أمر الله ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه والملك الظاهر يمتحن فيه العباد فيحاسبهم الله يوم القيامة كيف تصرفوا وماذا فعلوا ؟ ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم ؟ وهل استحبوا المعصية ؟

أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم ؟ والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم حتى لا يأتى واحد منهم يوم القيامة ويقول : يا رب لو أنك أعطيتنى الملك لاتبعت طريق الحق وطبقت منهجك .

يوجد سؤال إذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شىء فلماذا الامتحان ؟ نقول أننا إذا أردنا أن نضرب مثلا يقرب إلى الأذهان ولله المثل الأعلى نجد أن الجامعات فى كل أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها فهل أساتذة الجامعة الذين علموا الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم ؟ طبعا لا ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب فى الامتحان وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت ولو لم يعقد الامتحان لا دعى كل طالب أنه يستحق مرتبة الشرف .

قال الحق تبارك وتعالى ( مالك يوم الدين ) أى الذى يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء وإذا قيل ( ملك يوم الدين ) فتصرفه أعلى على المالكين لأن المالك لا يتصرف إلا فى ملكه ولكن الملك يتصرف فى ملكه وملك غيره فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره .

الذين قالوا ( مالك يوم الدين ) أثبتوا لله سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو ظاهرا والذين يقرأون ( ملك يوم الدين ) يقولون إن الله سبحانه وتعالى فى ذلك اليوم يقضى فى أمر خلقه حتى الذين ملكهم فى الدنيا ظاهرا ونحن نقول عندما يأتى يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله .

الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله جل جلاله عندما نقول ( مالك أو ملك يوم الدين ) يوجد يوم ويوجد الدين اليوم من شروق الشمس إلى شروق الشمس هذا ما يسمى فلكيا يوما واليوم فى معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث والمفسرون يقولون ( مالك يوم الدين ) أى مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك حيث إن هذا بمقاييس ملكية البشر فنحن لا نملك الزمن الماضى لا نستطيع أن نعيده والمستقبل لا نستطيع أن نأتى به ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان كذلك قوله تعالى ( مالك يوم الدين ) لا يحده زمان ولا مكان واقرأ قوله سبحانه :

(

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ(47) ( الحج ) .

وقوله تعالى :

(

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ(4) ( المعارج ) .

فعن طريق تأمل الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى حيث إن الله جل جلاله هو خالق الزمن حيث أنه يستطيع أن يخلق يوما مقداره ساعة ويوما كأيام الدنيا مقداره ( 24 س ) ويوما مقداره ( 1000 سنة ) ويوما مقداره ( 50000 سنة ) ويوما مقداره ( مليون سنة ) فذلك خاضع لمشيئة الله .

ويوم الدين موجود فى علم الله سبحانه وتعالى بأحداثه كلها بجنته وناره وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه وعندما يريد أن يكون اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلى علم خلقه سواء كانوا من الملائكة أو من البشر أو الجان يقول كن فالله وحده هو خالق هذا اليوم وهو وحده الذى يحدد كل أبعاده واليوم نحن نحدده ظاهرا بأنه ( 24 س ) ونحدده بأنه الليل والنهار ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الأرض فعندما تتحرك الأرض كل حركة هى نهاية نهار فى منطقة وبداية نهار فى منطقة أخرى وبداية ليل فى منطقة ونهاية ليل فى منطقة أخرى ففى كل لحظة ينتهى يوم ويبدأ يوم وهكذا فإن الكرة الأرضية لو تم أخذها بنظرة شاملة لا ينتهى عليها نهار أبدا ولا ينتهى عنها ليل أبدا فاليوم نسبى بالنسبة لكل بقعة فى الأرض ولكنه فى الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الأرضية .

والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنهم إذا أصابهم ظلم فى الدنيا فإنه يوجد يوما لا ظلم فيه وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده بدون أسباب فكل إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص فى الدنيا فإن الآخرة تنتظره والذى اتبع منهج الله وقيد حركته فى الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى أنه يوجد يوما سيأخذ فيه أجره وعظمة الآخرة أنها تعطى الإنسان المؤمن الجنة نعيم لا يفوت الإنسان المؤمن ولا يفوته أبدا النعيم .

ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين وقال له أريد أن أعرف أنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ فقال له الرجل الصالح أن الله أرحم بعباده فلم يجعل موازينهم فى أيدى أمثالهم فميزان كل إنسان فى يد نفسه لماذا ؟ لأنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك لا تغش نفسك ميزان الإنسان فى يديه يستطيع أن يعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة .

قال الرجل كيف ذلك ؟ فرد العبد الصالح : إذا دخل عليك من يعطيك مالا ودخل عليك من يأخذ منك صدقة فأيهما تفرح ؟ فسكت الرجل فقال العبد الصالح : إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من أهل الدنيا وإذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة فإن الإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه فالذى يعطينى مالا يعطينى الدنيا والذى يأخذ منى صدقة يعطينى الآخرة فإن كنت من أهل الآخرة فأفرح بمن يأخذ منك صدقة أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا .

فكان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتى إلى الآخرة بغير أجر ويستقبله بالفرحة والترحاب .

قول الحق سبحانه وتعالى ( مالك يوم الدين ) هى قضية ضخمة من قضايا العقائد لأنها تعطينا أن البداية من الله والنهاية إلى الله جل جلاله وبما أننا جميعا سنلقى الله فلا بد أن نعمل لهذا اليوم فإن المؤمن لا يفعل شيئا فى حياته الا وفى باله الله وأنه سيحاسبه يوم القيامة ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس فى باله الله وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه :

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 39 ) ( النور ) .

ومن يفعل شيئا وليس فى باله الله سيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذى لم يكن فى باله موجود وأنه جل جلاله هو الذى سيحاسبه .

وقوله تعالى ( مالك يوم الدين ) هى أساس الدين لأن الذى لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء فما دام يعتقد أنه لا يوجد آخره ولا يوجد حساب فمم يخاف ؟ ومن أجل من يقيد حركته فى الحياة .

إن الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أنه يوجد حسابا فى الآخرة وأنه يوجد يوما يقف الناس جميعا أمام الله سبحانه وتعالى ليحاسب المخطىء ويثيب الطائع هذا هو الحكم فى كل التصرفات الإيمانية فلو لم يوجد يوم نحاسب فيه فلماذا نصلى ؟ ولماذا نصوم ؟ ولماذا نتصدق ؟ .

فإن كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على أساس يوم القيامة الذى لن يفلت منه أحد والذى يجب على البشر الاستعداد له ان الله سبحانه وتعالى سمى اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم الفوز العظيم والذى يجعل البشر أن نتحمل كل ما نكره ونجاهد فى سبيل الله لنستشهد وننفق المال لنعين الفقراء  والمساكين فكل هذا أساسه أنه يوجد يوما سنقف فيه أمام يدى الله والله تبارك  وتعالى سماه يوم الدين لأنه اليوم الذى سيحاسبه فيه كل إنسان على دينه عمل به أم ضيعه فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود فى الجنة ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود فى النار .

ومن عدل الله سبحانه وتعالىى أنه يوجد يوما للحساب لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا فى الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا هل هؤلاء الذن أفلتوا فى الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله ؟ أبدا لم يفلتوا بل انهم انتقلوا من عقاب محدود إلى عقاب خالد وأفلتوا من العقاب بفدرة البشرفى الدنيا إلى عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى فى الآخرة فلا بد من  وجود يوم يعيد الميزان فيعاقب فيه كل من  أفسد فى الأرض وأفلت من العقاب بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل انسانا يفلت من عقاب الدنيا فلا نعتقد أن هذا خير له بل إنه شر له لأنه أفلت من عقاب محدود إلى  عقاب أبدى  .

 

والحمد الكبير لله بأنه ( مالك يوم الدين ) وهو وحده الذى سيقضى بين خلقه فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية وأساس التقوى هو يوم الدين .

فقول الحق تبارك وتعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فلا بد من التحدث عن قضية هامة فيوجد نوعان من الرؤية الرؤية العينية أى بالعين والرؤية الإيمانية أى بالقلب وكلاهما مختلف عن الآخر فرؤية العين هى أن يكون الشىء أمام الإنسان يراه بعينه وهذه ليس فيها قضية إيمان فلا نقول أننى أؤمن أننى أراك أمامى لأنك ترانى فعلا فما دمت ترانى فهذا يقين ولكن الرؤية الإيمانية هى أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك وتكون الرؤية الإيمانية أكثر يقينا من الرؤية العينية لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة وهذه قضية هامة جدا .

وقد روى عمر بن الخطاب قال :

بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه قال : يا محمد أخبرنى عن الإسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه .

قال : فأخبرنى عن الإيمان ؟

قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .

قال : صدقت قال : فأخبرنى عن الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

قال : فأخبرنى عن الساعة ؟

قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل

قال : أخبرنى عن أماراتها ؟

قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان .

قال : ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لى النبى صلى الله عليه وسلم : يا عمر أتدرى من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم

قال : فإنه جبريل آتاكم يعلمكم دينكم .

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) هو بيان للرؤية الإيمانية فى النفس المؤمنة فالإنسان حينما يؤمن لا بد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون .

 فذات يوم شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟ فقال أصبحت مؤمنا حقا فقال الرسول : فانظر ماذا تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟

قال الحارث : عزفت نفسى عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى وكأنى أنظر عرش ربى بارزا وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . ( يتصايحون فيها ) .

قال النبى يا حارث عرفت فالزم .

ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ ﴿1﴾ ( الفيل ) .

يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية فى محاولة للطعن فى القرآن الكريم فقوله تعالى ( ألم تر ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فى عام الفيل أنه لم ير لأنه كان طفلا عمره أياما أو شهورا لوقال الله سبحانه وتعالى ألم تعلم لقلنا علم من غيره فالعلم يحصل عليه الإنسان أو يعطيه لغيره من علمه أى يعلمه غيره من البشر ولكن الله سبحانه وتعالى قال : ألم تر

حيث إن هذه قضية من قضايا الإيمان فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة وقول الله ( ألم تر ) معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية فما دام الله تبارك وتعالى قال ( ألم تر ) فالإنسان المؤمن يرى بإيمانه ما تعجز عينيه عن رؤيته هذه هى الرؤية الإيمانية وهى أصدق من رؤية العين لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن قلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا .

على أنه يوجد ما يسمى ضمير الغائب فإذا قلنا زيد حضر فهو موجود أمامك ولكن إذا قلنا قابلت زيدا فكأن زيدا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة قابلته ولكنه ليس موجودا معك ساعة الحديث .

فيوجد حاضر وغائب ومتكلم الغائب هو من ليس موجودا أو لا نراه وقت الحديث والحاضر هو الموجود وقت الحديث والمتكلم هو الذى يتحدث وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة ولكن الإيمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الإيمانية التى هى أقوى من رؤية البصر .

فالله سبحانه وتعالى حين يقول ( الحمد لله رب العالمين ) ( الله ) غيب و ( رب العالمين ) غيب و ( الرحمن الرحيم ) غيب و ( مالك يوم الدين ) غيب وكأن السياق اللغوى يقتضى أن يقال إياه نعبد ولكن الله سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر وقال : ( إياك نعبد ) فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب فلم يقل ( إياه نعبد ) ولكنه قال ( إياك نعبد ) فأصبحت رؤية يقين إيمانى .

فالإنسان المؤمن فى حضرة الله سبحانه وتعالى الذى غمر الإنسان المؤمن بالنعم والإنسان يراها ويحيط بها لأنه رب العالمين وجعل الإنسان يطمئن إلى قضائه لأنه ( الرحمن الرحيم ) أى أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هى ربوبية ( الرحمن الرحيم ) فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التى نحسها ونعيش فيها فاحذر من مخالفة منهجه لأنه

( مالك يوم الدين ) .

فحين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل الصفات التى فيها فضائل الألوهية ونعم الربوبية والرحمة التى تمحو الذنوب

 والرهبة من لقائه يوم القيامة يكون الإنسان المؤمن قد انتقل من صفات الغيب إلى محضر الشهود حيث تم استحضار جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته ونعمه التى لا تعد ولا تحصى وقيوميته يوم القيامة .

فعند قراءة قوله تعالى ( إياك نعبد ) فالعبارة تفيد الخصوصية بمعنى أن إذا قلنا لإنسان أننى سأقابلك قد أقابله وحده وقد أقابله مع جمع من الناس ولكن إذا قلنا ( إياك سأقابل ) فمعنى أن المقابلة ستكون خاصة .

الحق سبحانه وتعالى حين قال : ( إياك نعبد ) قصر العبادة على ذاته الكريمة لأنه لو قال نعبدك وحدك فهى لا تؤدى نفس المعنى لأنك فد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا ولكن إذا قلنا ( إياك نعبد ) وقدمنا إياك نكون قد حسمنا الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه افعل ولا تفعل حيث جعل الصلاة أساس العبادة والسجود هو منتهى الخضوع لله لأن الإنسان يأتى بوجهه الذى هو أكرم شىء فى الإنسان ويتم وضعه على الأرض عند موضع القدم فيكون هو منتهى الخضوع لله ويتم أمام الناس جميعا فى الصلاة لإعلان خضوع الإنسان المؤمن لله أمام البشر جميعا .

ويستوى فى العبودية الغنى والفقير والكبير والصغير حتى يطرد كل إنسان الكبر والاستعلاء من قلبه أمام الناس جميعا فيساوى الحق جل جلاله بين عباده فى الخضوع له .

وقول الحق سبحانه وتعالى : ( إياك نعبد ) تنفى العبودية لغير الله أى لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا فإياك نعبد أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه حيث قال سبحانه وتعالى :

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22) ( الأنبياء ) .

فعند القول ( الحمد لله ) فالمسلم يستحضر موجبات الحمد وهى نعم الله ظاهرة وباطنة وبقول ( رب العالمين ) نستحضر نعم الربوبية فى خلقه وإخضاع كونه وحين نستحضر ( الرحمن الرحيم ) فيتم استحضار الرحمة والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة وباستحضار ( مالك يوم الدين ) نسنحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازى الإنسان على أعماله فإذا تم استحضار ذلك كله نقول ( إياك نعبد ) أى أننا نعبد الله وحده والمقصود ( العبادة لله وحده ) .

وعن طريق ( العلة والمعلول ) فإذا أراد الطالب أن ينجح فى الامتحان فإنه لا بد أن يذاكر وعلة المذاكرة هى النجاح فكأن النجاح ولد فى ذهن الطالب أولا بكل ما يحققه له من ميزات ومستقبل مضمون .

فالدافع قبل الواقع فعن طريق استحضار النجاح فى ذهن الطالب وعن طريق المذاكرة لجعل النجاح حقيقة واقعة وعن طريق السفر لمكان ما فالسيارة سبب يحقق للإنسان ما يريد وقطع الطريق سبب آخر ولكن الدافع الذى جعل الإنسان ينزل من بيته ويركب السيارة ويقطع الطريق هو السفر للوصول للاسكندرية فالدافع هو الوصول للاسكندرية .

والله سبحانه وتعالى خلق الناس فى الحياة لتعبده مصداقا لقوله تبارك وتعالى :

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ( الذاريات ) .

فعلة الخلق هى العبادة ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا ولكن ( العلة والمعلول ) لا تنطبق على أفعال الله سبحانه وتعالى فلا يوجد علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة لأن الله تبارك وتعالى غنى عن العالمين ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة فالله سبحانه وتعالى خلق البشر ليعبدوه ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا فى ملكه وإنما عبادة الله تعود على الخلق بالخير فى الدنيا والآخرة .

فإن أفعال الله لا تعلل والمأمور بالعبادة هو الذى سينتفع بها ولكن العبادة هى الجلوس فى المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة كلها فى البيت وفى العمل وفى السعى فى الأرض ؟ ولو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن والله تبارك وتعالى له صفة القهر فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته مصداقا لقوله جل جلاله :

(

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(3)

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(4) ( الشعراء ) .

فلو أراد الله أن يخضعه قهرا لا يستطيع أحد أن يشد عن طاعته وقد أعطى الله  الدليل على أن فى  الجسم البشرى وفى أحداث الدننما نحن مقهورون عليه فالجسد مقهور لله فى أشياء كثيرة القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة من البشر والمعدة تهضم الطعام والبشر لا يعرفون عها شيئا والدورة الدموية فى أجساد البشر لا إرادة للبشر فيها و أشياء كثيرة فى الجسد البشرى كلها مقهورة لله سبحانه  وتعالى وليس لإرادة البشر دخل فى عملها وما يقع على فى الحياة الدنيا من أحداث انها مقهور فيه لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث فلا أستطيع ان أمنع سيارة أن تصدم إنسان معين ولا طاثرة أن تحترق به ولا كل ما يقع على من أقدار الله فى الدنيا أم  من  أهل                                                                               الآخرة 

 

فمنطقة الاختيار فى خياة الإنسان محددة فلا يستطيع الإنسان التحكم فى يوم مولده ولا فيمن هو أبى ومن هى أمى ولا فى شكل هل  أنا طويل أم قصير ؟ جميل أم قبيح ؟ فمنطقة الاختيار فى الحياة هى المنهج أن أفعل أو لا أفعل الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر ولكن

يريد من الإنس والجن عبادة المحبوبية حيث تم خلق البشر ولنا اختيار فى أن نأتيه أو لا تأتيه فى أن يطيعه الإنسان أو يعصاه فى أن نؤمن به أو لا نؤمن .

  فإذا كان الإنسان المؤمن يحب الله فالإنسان يأتيه عن اختيار حيث يتنازل العبد عما يغضب ربه حبا فى الله عز وجل ويفعل ما يطلبه حبا فيه وليس  قهرا فإذا تم التجلى عن الاختيار على مرادات الله فى منهجه نكون قد تم تحقيق عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى ونكون قد أصبحنا من عباد الله وليس من عبيد الله فكلنا عبيدلله سبحانه وتعالى والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله فى التكليف فإن الحق جل جلاله يفرق فى القرآن الكريم بين العباد والعبيد حيث يقول تعالى :

(  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186) ( البقرة ) .

ويقول سبحانه وتعالى :

(

وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63) الفرقان

وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) الفرقان

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا(65) الفرقان

فنرى أن الله سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا يقول عبيد مصداقا لقوله تعالى :

(ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ( ( 182 ) ( آل عمران ) .

ولكن قد يقول قائل : إن الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه العزيز :

.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ(17)

( الفرقان ) .

الحديث عن العاصين والضالين ولكن الله سبحانه وتعالى قال عنهم عباد نقول إن هذا فى الآخرة وفى الآخرة كلنا عباد لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد المعبود تبارك وتعالى لأن الاختيار البشرى ينتهى ساعة الاحتضار ونصبح جميعا عبادا لله مقهورين على طاعته لا اختيار لنا فى شىء .

والله سبحانه وتعالى قد أعطى الإنسان اختياره فى الحياة الدنيا فى العبودية فلم يقهره فى شىء ولا يلزم غير المؤمن به بأى تكليف بل إن المؤمن هو الذى يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج الله فيدخل فى عقد إيمانى مع الله تبارك وتعالى فنجد أن الله جل جلاله لا يخاطب الناس جميعا فى التكليف وإنما يخاطب الذين آمنوا فيقول :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) البقرة  

ويقول سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) ( البقرة )

أى أن الله جل جلاله لا يكلف إلا المؤمن الذى يدخل فى عقد إيمانى مع الله .

وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عندما نضعه فى معيار العبادية يكون القمة فهو صلى الله عليه وسلم الذى حقق العبادية المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله .

فالذى يقول غاية الخلق كله محمد عليه الصلاة والسلام نقول إن هذا صحيح لأنه صلى الله عليه وسلم حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله تبارك وتعالى والتى هى علة الخلق فنعرف المقامات العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند خالقه .

والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه فقال جل جلاله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أى لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك والاستعانة بالله سبحانه وتعالى تخرج الإنسان من ذل الدنيا فالإنسان حين يستعين بغير الله فالإنسان يستعين ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها فى حدود بشريته .

ولأن الإنسان يعيش فى عالم أغيار فإن القوى يمكن أن تصبح ضعيفة وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح فى لحظة واحدة طريدا شريدا لا نفوذ له ولو لم يحدث هذا فقد يموت الذى يستعين به الإنسان فلا يجد أحدا يعينه .

ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا فيطلب منه أن يستعين بالحى الذى لا يموت وبالقوى الذى لا يضعف وبالقاهر الذى لا يخرج عن أمره أحد وإذا تم الاستعانة بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانب الإنسان المؤمن وهو وحده الذى يستطيع أن يحول ضعف الإنسان إلى قوة وإلى عز والمؤمن دائما يواجه قوى أكبر منه حيث إن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوى النفوذ الذين يحبون أن يستعبدوا غيرهم فالمؤمن سيدخل معهم فى صراع فإن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم فى الصراع بين الحق والباطل وقوله تعالى ( وإياك نستعين ) كمثل ( إياك نعبد ) أى نستعين بالله وحده وهى دستور الحركة فى الحياة لأن استعان معناها طلب المعونة أى أن الإنسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته حينئذ لا بد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه ولن يتخلى عنه بل يستعين به وحين تتخلى الأسباب فيوجد رب الأسباب وهو موجود دائما لا يغفل عن شىء ولا تفوته همسة فى الكون فإن المؤمن يتجه دائما إلى السماء والله سبحانه وتعالى يكون معه .

(

 بعد أن آمن الإنسان بالله سبحانه وتعالى إلها وربا واستحضر الإنسان عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه وأعلن الإنسان أنه لا إله إلا الله وقوله تعالى ( إياك نعبد ) أى أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه وأعلن الإنسان أنه سيستعين بالله وحده بقوله ( إياك نستعين ) فالإنسان قد أصبح من عباد الله ويعلمه الله سبحانه وتعالى الدعاء الذى يتمناه كل مؤمن وما دام الإنسان من عباد الله فإن الله جل جلاله سيستجيب للإنسان المؤمن مصداقا لقوله سبحانه :

(

 

 

تفسير سورة الفرقان

 

ترجمة معاني الفرقان

سورة الفرقان مكتوبة

 

قراءة سورة الفرقان مكتوبة بالرسم العثماني بالروايات المتواترة التالية



تحميل سورة الفرقان mp3 :

سورة الفرقان mp3 : قم باختيار القارئ للاستماع و تحميل سورة الفرقان


ماهر المعيقلي
 
سعد الغامدي
 
عبد الباسط
 
أحمد العجمي
 
المنشاوي
 
الحصري
 
مشاري العفاسي
 
ناصر القطامي
 
فارس عباد
 
ياسر الدوسري



محرك بحث متخصص في القران الكريم


Thursday, October 9, 2025

لا تنسنا من دعوة صالحة بظهر الغيب

Top of Form

Bottom of Form

القرآن الكريم كاملا

 

المصحف الشريف

قراء مميزون

سعد الغامدي القرآن الكريم mp3

 

المصحف كامل

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد mp3

 

المصحف المجود كامل

القرآن الكريم ماهر المعيقلي mp3

 

المصحف كامل

رعد محمد الكردي mp3

 

سور متنوعة بصوته

الشيخ هزاع البلوشي mp3

 

تلاوات و سور منوعة

الشيخ خالد الجليل القرآن mp3

 

المصحف كامل

فارس عباد القرآن الكريم mp3

 

المصحف كامل

القرآن بصوت وديع اليمني mp3

 

المصحف كامل

الشيخ احمد العجمي mp3

 

المصحف كامل

أقسام الموقع

فهرس القران الكريم

حفص

 

القرآن الكريم مكتوب

pdf

 

القرآن الكريم صوت

mp3

 

أجزاء القرآن الكريم

قراءة

 

صفحات القرآن مع التفسير

الميسر

 

The Holy Quran

English

 

Bahasa Indonesia & Mundari

Al-Quran

 

قرآن پاک

اردو

 

পবিত্র কুরআন

বাংলা

 

سور للقراءة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع سورة قرآن كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
تحميل المصحف الشريف 

صفحات مهمة

أقسام الموقع

فهارس القرآن

روابط تهمكم

نبذة عن موقعنا

إن موقع سورة قرآن هو موقع اسلامي على منهاج الكتاب و السنة , يقدم القرآن الكريم مكتوب بالرسم العثماني بعدة روايات بالاضافة للعديد من التفاسير و ترجمات المعاني مع امكانية الاستماع و التحميل للقرآن الكريم بصوت أشهر قراء العالم الاسلامي .

الحقوق محفوظة لكل مسلم ©2016 - 2025 موقع القرآن الكريم | قالب  by Colorlib

     

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق