تفسير الفاتحة للشعراوى ( 1 )
( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله
الرحمن الرحيم )
( الحمد لله ب العالمين ( 1 ) الرحمن الرحيم
( 2 ) )
الفاتحة فاتحة الكتاب هى أم الكتاب لا تصلح
الصلاة بدونها فالإنسان المسلم والمؤمن فى كل ركعة يستطيع أن يقرأ آية من القرآن
الكريم تختلف عن الآية التى تم قراءتها فى الركعة السابقة وتختلف عن الآيات التى
تمت قراءتها فى صلوات الإنسان المسلم والمؤمن ولكن إذا لم يتم قراءة الفاتحة فسدت
الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن
فهى خداج ثلاثة غير تام ) أى غير صالحة .
فالفاتحة أم الكتاب التى لا تصلح الصلاة
بدونها والله سبحانه يقول فى حديث قدسى ( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى
ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله عز وجل حمدنى عبدى فإذا قال
الرحمن الرحيم قال الله عز وجل أثنى على عبدى فإذا قال مالك يوم الدين قال الله عز
وجل مجدنى عبدنى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله عز وجل هذا بينى وبين
عبدى ولعبدى ما سأل وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله عز وجل هذا لعبدى ولعبدى ما سأل .
ويجب الانتباه أنه يوجد ( 3 أسماء ) لله قد
تكررت فى بسم الله الرحمن الرحيم وفى فاتحة الكتاب والأسماء هى ( الله / الرحمن /
الرحيم ) حيث أنه لا يوجد تكرار فى القرآن الكريم وإذا تكرر اللفظ فيكون معناه فى
كل مرة مختلفا عن معناه فى المرة السابقة لأن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى فهو
يضع اللفظ فى مكانه الصحيح وفى معناه الصحيح .
( بسم الله الرحمن الرحيم ) هو استعانة بقدرة
الله حين نبدأ فعل الأشياء فلفظ الجلالة ( الله ) فى بسم الله معناه الاستعانة
بقدرات الله سبحانه وتعالى وصفاته لتكون عونا لنا على ما نفعل ولكن إذا قلنا الحمد
لله فهى شكر لله على ما فعل لنا حيث أن البشر لا يستطيعوا أن يقدموا الشكر لله إلا
إذا تم استخدام لفظ الجلالة الجامع لكل صفات الله تعالى لأن البشر يحمدون الله على
كل صفاته ورحمته بالبشر حتى لا يقال بسم القهار وبسم الوهاب وبسم الكريم وبسم
الرحمن حيث نقول الحمد لله على كمال صفاته فيشمل الحمد كمال الصفات كلها .
ويوجد فرق بين ( بسم الله ) الذى نستعين به
على مالا قدرة لنا عليه لأن الله هو الذى سخر كل ما فى هذا الكون وجعله يخدمنا
وبين ( الحمد لله ) فإن لفظ الجلالة إنما جاء لنحمد الله على ما فعل لنا فكأن بسم
الله فى البسملة طلب العون من الله بكل كمال صفاته وكأن الحمد لله فى الفاتحة
تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته .
و ( الرحمن الرحيم ) فى البسملة لها معنى غير
( الرحمن الرحيم ) فى الفاتحة ففى البسملة
هى تذكرة برحمة الله سبحانه وتعالى وغفرانه حتى لا نستحى ولا نهاب أن نستعين بسم
الله أن كنا قد فعلنا معصية فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما فى
كل أعمالنا فإذا سقط واحد منا فى معصية قال كيف أستعين بسم الله وقد عصيته ؟ فعن
طريق الدخول عليه سبحانه وتعالى من باب الرحمة فيغفر لك وتستعين به فيجيبك .
والإنسان حين يسقط فى معصية تستعيذ برحمة
الله من عدله لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
واقرأ قول الله تعالى :
ولولا رحمة الله التى سبقت عدله ما بقى للناس
نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض فالله جل جلاله يقول : ( وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ
عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ
فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا
يَسۡتَقۡدِمُونَ (61) ( النحل ) .
فالإنسان خلق ضعيفا وخلق هلوعا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : لا أحد يدخل الجنة أحدكم بعمله إلا أن يتفمدنى الله
برحمته قالوا حتى أنت يارسول الله قال : حتى أنا .
فذنوب الإنسان فى الدنيا كثيرة إذا حكم فقد
يظلم وإذا ظن فقد يسىء وإذا تحدث فقد يكذب وإذا شهد
|
فقد يبتعد عن الحق وإذا تكلم فقد يغتاب . فذنوب الإنسان فى الدنيا يرتمبها بدرجات
متفاوتة ولا يمكن لأحد من الناس أن ينسب الكمال لنفسه حنى الذين يبذلون أقصى
دينهم بالطاعة لا يصلون إلى الكمال فالكمال لله وحده ورسول الله صلى الله عليه
سلم يقول ( كل بنى خطاء وخير الخطائين التوابون ) . ويصف الله سبحانه وتعالى الإنسان فى القرآن
الكريم : (وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ
ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ (34) ( ابراهيم ) فلقد أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمنع المعصية
عن الدخول إلى كل عمل بسم الله فعلم البشر أن يقولوا ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لكى نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة
بالله وأن المعصية لا تمنع من الاستعانة فى كل عمل بسم الله لأنه رحمن رحيم
فيكون الله قد أزال وحشة الإنسان المؤمن من المعصية فى الاستعانة بالله سبحانه
وتعالى : ولكن ( الرحمن الرحيم ) فى الفاتحة مقترنة برب
العالمين الذى أوجد الإنسان من عدم وأمد الإنسان بنعم لا تعد ولا تحصى فالإنسان
يحمد الله على هذه النعم التى أخذها برحمة الله سبحانه وتعالى فى ربوبيته حيث إن
الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة . والله سبحانه وتعالى رب للمؤمن وللكافر فهو
الذى استدعاهم جميعا للوجود حيث يعطيهم من النعم برحمته وليس بما يستحقون فالشمس
تشرق على المؤمن والكافر ولا تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن والمطر ينزل على من يعبدون الله ومن يعبدون
أوثانا من دون الله والهواء يتنفسه من قال لا إله إلا الله ومن لم يقلها . وكل النعم التى هى من عطاء الربوبية لله هى فى
الدنيا لخلقه جميعا وهذه رحمة فالله رب
الجميع من أطاعه ومن عصاه وهذه رحمة والله قابل للتوبة وهذه رحمة . ففى الفاتحة تأتى ( الرحمن الرحيم ) بمعنى رحمة
الله فى ربوبيته لخلقه فهو يمهل العاصى ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه . وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه وهذه رحمة تستوجب
الشكر فمعنى ( الرحمن الرحيم ) فى البسملة يختلف عنها فى الفاتحة فعن طريق
الانتقال لقوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) فالله محمود لذاته
ومحمود لصفاته ومحمود لنعمه ومحمود لرحمته ومحمود لمنهجه ومحمود لقضائه الله
محمود قبل أن يخلق من يحمده ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له فى
كلمتين هما ( الحمد لله ) . والعجيب أن الإنسان حين يشكر بشرا على جميل
فعله حيث تظل ساعات وساعات حيث تعد كلمات الشكر والثناء وتحذف وتضيف وتأخذ رأى
الناس حتى نصل لخطاب ملىء بالثناء والشكر لكن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته
وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى علمنا أن نشكره فى كلمتين هما ( الحمد لله ) . حيث إن المبالغة فى الشكر للبشر مكروهة لأنها
تصيب الإنسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصى فى معاصيه فلنقلل من الشكر والثناء
للبشر لأننا نشكر الله لعظيم نعمه على البشر ب ( الحمد لله ) ومن رحمة الله
سبحانه وتعالى أنه علم الإنسان صيغة الحمد فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين
لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا الله على الكمال
الالهى فمهما أوتى الناس من بلاغة وقدرة على التعبير فهم عاجزون عن أن يصلوا إلى
صيغة الحمد التى تليق بجلال المنعم فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو
يحصى نعمه أو يحيط برحمته ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز
البشرى عن حمد كمال الألوهية لله فقال ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على
نفسك ) . وكلمتا ( الحمد لله ) ساوى الله بهما بين البشر
جميعا فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد لتفاوتت درجات الحمد لله بين الناس بتفاوت
قدراتهم على التعبير فهذا أمى لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التى
يحمد بها الله وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع أن يأتى بصيغة الحمد بما
أوتى من علم وبلاغة وهكذا تتفاوت درجات البشر فى الحمد طبقا لقدرتهم فى منازل
الدنيا . ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوى بين
عباده جميعا فى صيغة الحمد له فيعلمنا فى أول كلماته فى القرآن الكريم أن نقول (
الحمد لله ) ليعطى الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوى المتعلم وغير المتعلم
فى عطاء الحمد ومن أوتى البلاغة ومن لا يحسن الكلام . فالبشر
يحمدون الله سبحانه وتعالى على انه علم
البشر كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا ويظل الله دائما محمودا فالله سبحانه
وتعالى قبل أن يخلق البشر حيث خلق للبشر موجبات الحمد من النعم فخلق للبشر
السماوات والأرض وأوجد للبشر الماء والهواء ووضع فى الأرض أقواتها إلى يوم
القيامة والنعمة تستحق الحمد هليها لأنه جل جلاله جعل النعمة تسبق الوجود
الانساانى فعندما خلق الإنسان كانت النعمة موجودة تستقبله بل إن الله جل جلاله
قبل أن يخلق آدم أبا البشر جميعا سبقته الجنة التى عاش فيها لا يتعب ولا يشقى
فقد خلق آدم فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا
ومعدا قبل الخلق وحينما نزل آدم وحواء إلى الأرض كانت النعمة قد سبقتهما فوجدا
ما يأكلانه وما يشربانه وما يقيم حياتهما ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الإنسانى
وخلفت بعده لهلك الإنسان وهو ينتظر مجىء النعمة . بل إن العطاء الالهى للإنسان يعطيه النعمة
بمجرد أن يخلق فى رحم أمه فيجد رحما مستعدا لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل
فإذا خرج إلى الدنيا يضع الله فى صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن
يشبع وينتهى عندما تتوقف فترة الرضاعة ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى
بستطيع أن يعول نفسه وكل هذا يحدث قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة التكليف وقبل أن
يستطيع أن ينطق ( الحمد لله ) . ونرى أن النعمة تسبق المنعم عليه دائما
فالإنسان عندما يقول ( الحمد لله ) فلأن موجبات الحمد وهى النعمة موجودة فى
الكون قبل الوجود الإنسانى والله سبحانه ونعالى خلق للبشر فى الكون أشياء تعطى
الإنسان بغير قدرة منه ودون خضوع له واإنسان عاجز عن أى بفدم نفسها لهذه النعم
التى يقدمها الحق تبارك وتعالى له بلا جهد فالشمس تعطىء الدفء والحياة للأرض بلا
نقابل وبلا فعل من البشر والمطر ينزل من
السماء دون أن يكون للإسان جهد فيه أو قدرة على إنزاله والهواء موجود حول
الإنسان فى كل مكان نتنفس منه دون جهد من الإنسان ولافدرة والأرض تعطى الثمر
بمجرد أن بتم بذر الحبوب ونسقيه بالماء فالزرع ينبت بقدرة الله وفى والليل
النهار يتعاقبان نستطبع أن ننام لنرتاح وأن نسعى لحياتنا ولا الإنسان اتى بضوء
الله فى الدنيا والإنسان يعمل بالنهار والليل
ينام فيه الإنسان ليرتاح من مصاعب الحياة فى الدنيا ولكن الإنسان يأخذ الراحة فى
الليل والعمل بالنهار بقدرة الله دون الله أن تفعل شيئا . فكل الأشياء لم يخلقها الإنسان ولكنه خلق ليجدها
فى الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه ألا نستحق أن نقول ( الحمد لله على نعمة
تسخير الكون لخدمة الإنسان ؟ إنها تقتضى
وجوب الحمد لله . وآيات الله سبحانه وتعالى فى الكون تستوجب
الحمد فالحياة التى وهبها الله للبشر
والآيات التى أودعها فى الكون لتدل البشر على أن لهذا الكون خالقا عظيما فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل
ما فيه مما يفوق فدرة الإسان ولا يستطيع أحد ان يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد
النجوم أو أوجد أقمار الكواكب والكواكب القزمة لنفسه فلا أحد مهما بلغ علمه يستطيع
أن يدعى أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع
قوانين الكون أو أعطى الأرض غلافها الجوى أو خلق نفسه أو خلق غيره . فكل الآيات أعطت الدليل على وجود قوة عظمى هى
التى أوجدت وهى التى خلقت والآيات ليست ساكنة لنجعلنا فى سكونها ننساها بل هى
متحركة لتلفت البشر لخالق الكون العظيم . فالشمس تشرق فى الصباح فتذكر الخلق باعجاز
القرآن وتغيب فى المساء لتذكر البشر بعظمة الخالق وتعاقب الليل والنهار يحدث كل
يوم أمام البشر علنا نلتفت ونفيق والمطر ينزل
من السماء ليذكر باأوهية من
أنزله والزرع يخرج من الأرض يسقى بماء واحد حيث إن كل نوع له لون وله شكل وله
مذاق وله تكوين يختلف عن الآخر ويأتى الحصاد فيختفى الثمر والزرع وياتى موسم
الزراعة فيعود من جديد . كل شىء فى الكون متحرك اليذكر البشر دائما أنه
إذا تم النسيان ونتعلم أنه يوجد خالقا عظيما . ونستطيع
أن نمضى بلا نهاية فنعم الله لا تعد ولا تحصى وكل واحدة منها تدل على وجود الحق
سبحانه وتعالى وتعطى الدليل الإيمانى على أن للكون خالقا مبدعا وأنه لا أحد
يستطيع أنه لا أحد يستطيع أن يدعى أنه خلق الكون أو خلق ما فيه فالقضية محسومة لله
والحمد لله لأنه وضع فى نفوس البشر الإيمان الفطرى ثم أيده بلإيمان عقلى بآياته
فى كونه . بل إن كل شىء فى الكون يقتضى الحمد فإن الإنسان
يمتدح الوجود وينسى الموجود فالإنسان حين يرى جوهرة جميلة أو زهرة مبدعة جدا أو
أى خلق من خلق الله يشيع فى نفسه الجمال يمتدح هذا الخلق حيث نقول : ما أجمل
الزهرة أو الجوهرة أو المخلوق ؟ ولكن المخلوق الذى امتدحته لم يعط صفة الجمال
لنفسه فالزهرة لا دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة والجوهرة لا دخل لها فى
عظمة خلقها وكل شىء فى الكون لم يضع الجمال لنفسه وإنما الذى وضع الجمال فيه هو
الله سبحانه وتعالى فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق بل نقول الحمد لله الذى أوجد فى الكون ما يذكر
بعظمة الخالق ودقة الخلق . ومنهج الله سبحانه وتعالى يقتضى من الإنسان
الحمد لأن الله أنزل منهجه ليرى الناس طريق الخير ويبعدهم عن طريق الشر . فمنهج الله الذى أنزله على رسله قد عرفنا أن
الله تبارك ونعالى هو الذى خلق للإنسان الكون والبشر فدقة الخلق وعظمته تدل على
أنه يجب بوجود خالقا عظيما ولكنها لا نستطيع الفول من هو ولا ماذا يريد من البشر
لذلك أرسل الله رسله ليقولا إن الذى خلق الكون وخلق الإنسان هو الله تبارك
وتعالى هذا يستوجب الحمد ومنهج الله يبين لنا ماذا يريد الحق من البشر وكيف
يعبدوه وهذا يستوجب الحمد ومنهج الله جل جلاله
أعطى للإنسان المؤمن الطريق وشرع له اسلوب
الحياة تشريعا حقا فالله تبارك وتعالى لا يفرق بين أحد من الناس ولا يفضل أحد
على أحد إلا بالتقوى فالبشر خلق متساوون أمام الله جل جلاله . فشريعة الحق وقول الحق وقضاء الحق هو من الله
أما تشريعات الناس فلها هوى تميز بعضها عن بعض وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين
فنجد فى كل منهج بشرى ظلمة بشرية . فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم
أصحاب النعمة والترف بينما الشعب كله فى شقاء لأن هؤلاء الذين شرعوا اتبعوا
هواهم ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة . وفى الدول
الرأسمالية أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير ولكن الله سبحانه وتعالى حين
نزل للإنسان المنهج قضى بالعدل بين الناس وأعطى كل ذى حق حقه وعلم الإنسان كيف
تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى البشرى خاضعة لعدل الله مما
يوجب الحمد . والحق سبحانه وتعالى يستحق من البشر الحمد لأنه
لا يأخذ من البشر ولكنه يعطى البشر فالبشر فى كل عصر يحاولون استغلال البشر لأنهم
يطمعون لما فى أيدى البشر من ثروات وأموال حيث أن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج
لما هو موجود فى أيدى البشر حيث إنه يعطى ولا يأخذ من البشر فعنده خزائن كل شىء
مصداقا لقوله جل جلاله : ( وَإِن
مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ
مَّعۡلُومٖ (21) وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ
مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ (22) ( الحجر ) فالله سبحانه وتعالى دائم العطاء لخلقه والخلق
يأخذون دائما من نعم الله فكأن العبودية لله تعطى ولا تأخذ منه وهذا يستوجب
الحمد . والله سبحانه وتعالى فى عطائه يجب أن يطلب منه
الإنسان وأن يدعوه وأن يستعين به وهذا يوجب الحمد لأنه يقى الناس الذل فى الدنيا
فالإنسان إن طلب شيئا من صاحب نفوذ فلا بد أن يحدد له موعدا أو وقت الحديث ومدة
المقابلة وقد يضيق بك فيقف لينهى اللقاء ولكن الله سبحانه وتعالى بابه مفتوح
دائما فالإنسان بين يدى الله عندما يريدويرفع يديه إلى السماء ويدعو وقتما يحب
ونسأل الله ما يشاء فيعطى ما يريده إن كان خيرا يقبل عليه أو شرا يمنع عنه . والله سبحانه وتعالى يطلب من الإنسان أن يدعوه
وأن نسأله فيقول : ويقول سبحانه وتعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي
وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ (
( 186 ) ( البقرة ) . والله سبحانه وتعالى يعرف ما فى نفس الإنسان
حيث أنه يعطيه دون أن يسأل واقرأ الحديث القدسى : يقول رب العزة : ( من شغله
ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ) . والله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفد وخزائنه لا
تفرغ فكلما سأل الإنسان الله عز وجل كان لديه المزيد ومهما سأله فإنه لا شىء
عزيز على الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحققه للإنسان . فعطاء الله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد ومنعه
العطاء يستوجب الحمد . ووجود الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب
الحمد فالله يستحق الحمد لذاته ولولا عدل الله لبغى الناس فى الأرض وظلموا ولكن يد الله تبارك وتعالى حين
تبطش بالظالم تجعله عبرة فيخاف الناس الظلم وكل من أفلت من عقاب الدنيا على
معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله فى الآخرة ليوفيه حسابه وهذا يوجب الحمد أن
يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن يوجد يوما سيرى فيه
ظالمه وهو يعذب فى النار فلا تصيبه الحسرة ويخف احساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن
الله قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد . وعندما نقول ( الحمد لله ) فنحن نعبر عن
انفعالات متعددة هى فى مجموعها تحمل العبودية والحب والثناء والشكر والعرفان
وكثير من الانفعالات التى تملأ النفس عندما نقول ( الحمد لله ) كلها تحمل الثناء
العاجز عن الشكر لكمال الله وعطائه فالانفعالات تأتى من النفس وتستقر فى القلب
ثم تفيض من الجوارح على الكون كله . فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان ولكنها تمر
أولا على العقل ليعى معنى النعم ثم تستقر فى القلب فينفعل بها وتنتقل إلى
الجوارح فأقوم وأصلى لله شاكرا ويهتز جسدى كله وتفيض الدمعة من عينى وينتقل
الانفعال كله إلى من حولى . وعن طريق التفسير فلو كان الإنسان فى أزمة أو
كرب أو شىء سيؤدى إلى فضيحة وجاء من يفرج الكرب فيعطى المال أو يفتح للإنسان
طريقا أول شىء أننى سأعقل هذا الجميل فأقول أنه يستحق الشكر ثم ينزل المعنى
للقلب فيهتز القلب لصانع الجميل ثم تنفعل الجوارح لكى تترجم العاطفة إلى عمل على
جميل صنعه شيئا يرضيه ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلى الالتجاء إليه
فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس فيمرون بنفس ما حدث لنفس الإنسان فتتسع
دائرة الشكر والحمد . والحمد لله تعطى المزيد من نعم الله مصداقا
لقوله تبارك وتعالى : (إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) ( ابراهيم ) حيث نعرف أن الشكر على النعمة يعطى المزيد من
النعم فنشكر عليها فتعطى المزيد وهكذا يظل الحمد دائما والنعمة دائمة فعن طريق
استعراض الحياة كلها فكل حركة فيها تقتضى الحمد عندما ننام ويأخذ الله سبحانه
وتعالى أرواحنا ثم يردها إلينا عندما نستيقظ فإن هذا يوجب الحمد فالله سبحانه
وتعالى يقول : (للَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) ( الزمر ) . فإن مجرد الاستيقاظ من النوم وأن الله سبحانه
وتعالى رد علينا أرواحنا وهذا الرد يستوجب الحمد فعن طريق القيام من السرير
فالله سبحانه وتعالى هو الذى يعطى القدرة على الحركة ولولا عطاؤه لما استطاع
الإنسان أن يقوم وهذا يستوجب الحمد فعن طريق تناول الإفطار فالله هيأ للإنسان
طعاما من فضله فهو الذى خلقه وهو الذى أنبته وهو الذى رزق الإنسان به وهذا
يستوجب الحمد . فعن طريق النزول للطريق يسر الله للإنسان ما
ينقله إلى مقر عمله وسخره له سواء كان يملك سيارة أو يستخدم وسائل المواصلات فله
الحمد وعن طريق التحدث مع الناس فالله سبحانه وتعالى هو الذى أعطى لسان الإنسان
القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء لا تنطق وهذا يستوجب الحمد فعن طريق
الذهاب للعمل فالله يسر للإنسان عملا يرتزق منه ليأكل حلالا وهذا يستوجب الحمد . وعن طريق العودة للبيت فالله سخر للإنسان زوجته
ورزقهم بالأولاد وهذا يستوجب الحمد فكل حركة حياة فى الدنيا من الإنسان تستوجب
الحمد فلا بد أن يكون الإنسان حامدا دائما بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على
أى مكروه أصابه لأنه قد يكون الشىء الذى يعتبره شرا هو عين الخير والله تعالى
يقول : فالإنسان يحمد الله لأن قضاءه خير سواء أحب
الإنسان القضاء أم كرهه فإنه خير للإنسان لأن الإنسان لا يعلم والله سبحانه
وتعالى يعلم . فمن موجبات الحمد أن نقول ( الحمد لله ) على كل
ما يحدث للإنسان فى دنياه فالإنسان يرد الأمر إلى الله الذى خلقه فهو أعلم بما
هو خير للإنسان . فاتحة الكتاب تبدأ ( بالحمد لله رب العالمين )
لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب العالمين ؟ نقول إن الحمد لله تعنى حمد
الألوهية فكلمة الله تعنى المعبود بحق فالعبادة تكليف والتكليف يأتى من الله
لعبيده فكأن الحمد أولا لله ثم يقتضى أن يكون الحمد لربوبية الله على الايجاد من
العدم والامداد من العدم لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند كل الناس لكن
التكليف يكون شاقا على بعض الناس ولو علم الناس قيمة التكليف فى الحياة لحمدوا
الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياة الناس فتمضى حركة
الحياة متساندة منسجمة فالنعمة الأولى هى أن المعبود أبلغ منهج عبادته والنعمة
الثانية أنه رب العالمين . فى الحياة الدنيا يوجد المطيع والعاصى والمؤمن
وغير المؤمن والذين يدخلون فى عطاء الألوهية هم المؤمنون أما عطاء الربوبية
فيشمل الجميع والإنسان يحمد الله على عطاء ألوهيته ونحمد الله على عطاء ربوبيته
لأنه الذى خلق ولأنه رب العالمين الكون كله لا يخرج عن حكمه فليطمئن الناس فى
الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبية فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن
أشرق ولا النجوم تستطيع أن تصطدم ببعضها البعض فى الكون ولا الأرض تستطيع أن
تمنع انبات الزرع ولا الغلاف الجوى يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا
. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنه
رب لكل ما فى الكون فلا تستطيع أى قوى تخدم الإنسان أن تمتنع عن خدمته لأن الله
سبحانه وتعالى مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق إنه رب العالمين وهذه توجب الحمد
أن يهيىء الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه بل جعله سيدا فى كونه فإن الإنسان
المؤمن لا يخاف الغد وكيف يخافه والله رب العالمين إذا لم يكن عنده طعام فهو
واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين وإذا صادفته أزمة فقلبه مطمئن إلى أن الله
سيفرج الأزمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكره
عليها لأنه رب العالمين الذى أنعم عليه . فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين
لا شىء فى كونه يخرج عن مراده الفعلى أما عطاء الألوهية فجزاؤه فى الآخرة
فالدنيا دار اختبار للإيمان والآخرة دار الجزاء ومن الناس من لا يعبد الله هؤلاء
متساوون فى عطاء الربوبية مع المؤمنين فى الدنيا ولكن فى الآخرة يكون عطاء
الألوهية للمؤمنين وحدهم فنعم الله لأصحاب الجنة وعطاءات الله لمن آمن واقرأ
قوله تبارك وتعالى : على أن الحمد لله ليس فى الدنيا بل هو فى
الدنيا والآخرة الله محمود دائما فى الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه وعطاء
ألوهيته لمن آمن به وفى الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده واقرأ قوله جل جلاله : (وَقَالُواْ
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا
ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ
ٱلۡعَٰمِلِينَ (74) ( الزمر ) . وقوله تعالى : فبالانتقال لقوله تعالى ( الرحمن الرحيم ) فمن
موجبات الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم يعطى نعمه فى الدنيا لكل عباده
عطاء ربوبية وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما
يموت الإنسان . والله لا يحجب نعمه عن عبيده فى الدنيا ونعم
الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم فى الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية فإن
الإنسان لم يجد أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصى نعم الله لأن موجبات الإحصاء أن تكون
قادرا عليه فالإنسان لا يقبل على عد شىء إلا إذا كان فى قدرته أن يحصيه ولكن ما
دام العد خارج قدرة وطاقة الإنسان فإنه لا يقبل عليه فلن يقبل أحد حتى يوم
القيامة على إحصاء نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها . ولا بد من الالتفات إلى أن الكون كله يضيق
بالإنسان وأن العالم المقهور الذى يخدم الإنسان بحكم القهر والتسخير يضيق حين
يرى العاصين لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا فحين يرى كل مقهور الإنسان
الذى هو فى خدمته عاصيا يضيق واقرأ الحديث القدسى لنعرف شيئا عن رحمة الله
بعباده يقول الله عز وجل ( ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادى السماء تقول
يا رب إذن لى أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول البحار يارب اذن لى أن أغرق
ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول الجبال يا رب إذن لى أن أطبق على ابن آدم
فقد طعم خيرك ومنع شكرك فيقول الله تعالى دعوهم دعوهم لو خلقتموهم ارحمتموهم
إنهم عبادى فإن تابوا إلى فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ) . هذه تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم وكيف ضمنت
للإنسان بقاء كل ما يخدمه فى الكون مع معصية الإنسان إنها كلها تخدم البشر بعطاء
الربوبية وتبقى فى خدمة الإنسان بتسخير الله لها لأنه رحمن رحيم بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الأرض والسماء
وغيرها من المخلوقات فى عالم الجماد والنبات والحيوان نقول نعم أن لها لغة لا
يعرفها البشر وإنما يعرفها خالقها ( الله سبحانه وتعالى ) بدليل أنه منذ الخلق
الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه يوجد لغة لكل المخلوقات واقرأ قوله جل جلاله
: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ
دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا
أَتَيْنَا طَائِعِين ( 11
) فصلت فالأرض والسماء فهمت عن الله وقالت له سبحانه وتعالى ( آتينا طائعين ) ألم
يعلم الله سليمان منطق الطيرولغة النملة ؟ ألم تسبح الجبال مع داود ؟ فكل خلق
الله له ادراكات مناسبة له بل له عواطف |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ
وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29) ( الدخان ) . فالسماوات والأرض لهما انفعال يصل إلى مرحلة
البكاء فهما لم تبكيا على فرعون وقومه ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما
الإنسان المؤمن المصلى المطبق لمنهج الله ولقد قال على بن أبى طالب رضى الله عنه
( إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع فى
الأرض وموضع فى السماء أما الموضع فى الأرض فهو مكان مصلاه الذى أسعده وهو يصلى
فيه وأما الموضع فى السماء فهو مصعد عمله الطيب . ( إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد فإن ( مالك يوم الدين ) تستحق
الحمد الكبير لأنه لو لم يوجد يوم للحساب لنجا الذى ملأ الدنيا شرورا دون أن
يجازى على ما فعل ولكان الذى التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية
كثيرة ارضاء لله قد شقى فى الحياة الدنيا ولكن لأن الله تبارك وتعالى ( مالك يوم
الدين ) فقد أعطى الاتزان للوجود كله هذه الملكية ليوم الدين هى التى حمت الضعيف
والمظلوم وأبقت الحق فى كون الله حيث إن الذى منع الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك
بها القوى بالضعيف والظالم بالمظلوم حيث أنه يوجد آخرة وحسابا وأن الله سبحانه
وتعالى هو الذى سيحاسب خلقه . والإنسان المستقيم استقامته تنفع غيره لأنه
يخشى الله ويعطى كل ذى حق حقه ويعفو ويسامح فكل من حوله قد استفاد من خلقه
الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل . أما الإنسان العاصى فيشقى به المجتمع لأنه لا
أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه فإن ( مالك يوم الدين ) هى الميزان حيث
يعرف الإنسان أن الذى يفسد فى الأرض تنتظره الآخرة لن يفلت مهما كانت قوته
ونفوذه فتطمئن اطمئنانا كاملا إلى أن عدل الله سينال كل ظالم . على أن ( مالك يوم الدين ) لها قراءتان ( مالك
يوم الدين ) و ( ملك يوم الدين ) والقراءتان صحيحتان والله تبارك وتعالى وصف
نفسه فى القرآن الكريم بأنه ( مالك يوم الدين ) ومالك الشىء هو المتصرف فيه وحده
فلا يوجد دخل لأى فرد آخر أنا أملك عباءتى وأملك متاعى وأملك منزلى وأنا المتصرف
فى هذا كله أحكم فيه بما أراه . فمالك يوم الدين معناها أن الله سبحانه وتعالى
سيصرف أمور العباد فى يوم القيامة بدون أسباب وأن كل شىء سيأتى من الله مباشرة
دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهرا . ففى الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس
ولكن فى يوم القيامة لا يوجد ظاهرا فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى حيث يقول
الله فى وصف يوم الدين : (كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ (9) ( الانفطار ) . فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان فى الدنيا
لتمضى به الحياة ولكن فى الآخرة لا توجد أسباب الملك فى ظاهر الدنيا من الله
يهبه لمن يشاء واقرأ قوله تعالى : (قلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ
تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ
مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ
شَيۡءٖ قَدِيرٞ (26) ( آل عمران ) . ولعل قوله تعالى ( تنزع ) تلفت إلى أن أحدا فى
الدنيا لا يريد أن يترك الملك ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا رغما عن
ارادته والله هو الذى ينزع الملك ممن يشاء ويوجد سؤال هل الملك فى الدنيا والآخرة ليس لله
؟ نقول الأمر فى كل وقت لله ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من
الملك فى الأرض فنجد فى القرآن الكريم قوله تعالى : (أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ
إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ
إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ
أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ
فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا
مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ
ٱلظَّٰلِمِينَ (258)
البقرة والذى حاج ابراهيم فى ربه كافر منكر للألوهية
فإنه لم يأخذ الملك بذاته بل الله جل جلاله هو الذى آتاه الملك فالله تبارك
وتعالى هو الذى استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك فى الأرض ظاهريا ومعنى أنه ملك
يملك ولكنه نابع من أمر الله ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع
منه والملك الظاهر يمتحن فيه العباد فيحاسبهم الله يوم القيامة كيف تصرفوا وماذا
فعلوا ؟ ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم ؟ وهل استحبوا المعصية ؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم ؟ والله سبحانه
وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على
أنفسهم حتى لا يأتى واحد منهم يوم القيامة ويقول : يا رب لو أنك أعطيتنى الملك
لاتبعت طريق الحق وطبقت منهجك . يوجد سؤال إذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل
شىء فلماذا الامتحان ؟ نقول أننا إذا أردنا أن نضرب مثلا يقرب إلى الأذهان ولله
المثل الأعلى نجد أن الجامعات فى كل أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها فهل
أساتذة الجامعة الذين علموا الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا
منه على العلم ؟ طبعا لا ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب فى الامتحان وجاء
يجادل واجهوه بإجابته فيسكت ولو لم يعقد الامتحان لا دعى كل طالب أنه يستحق
مرتبة الشرف . قال الحق تبارك وتعالى ( مالك يوم الدين ) أى
الذى يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء وإذا قيل ( ملك يوم الدين ) فتصرفه
أعلى على المالكين لأن المالك لا يتصرف إلا فى ملكه ولكن الملك يتصرف فى ملكه
وملك غيره فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره . الذين قالوا ( مالك يوم الدين ) أثبتوا لله
سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو ظاهرا
والذين يقرأون ( ملك يوم الدين ) يقولون إن الله سبحانه وتعالى فى ذلك اليوم
يقضى فى أمر خلقه حتى الذين ملكهم فى الدنيا ظاهرا ونحن نقول عندما يأتى يوم
القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله . الله تبارك وتعالى
يريد أن يطمئن عباده أنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم فيوم
القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله جل جلاله عندما نقول ( مالك أو ملك يوم الدين
) يوجد يوم ويوجد الدين اليوم من شروق الشمس إلى شروق الشمس هذا ما يسمى فلكيا
يوما واليوم فى معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث والمفسرون يقولون ( مالك يوم
الدين ) أى مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك حيث إن هذا بمقاييس ملكية
البشر فنحن لا نملك الزمن الماضى لا نستطيع أن نعيده والمستقبل لا نستطيع أن
نأتى به ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان والله جل جلاله لا يحده زمان ولا
مكان كذلك قوله تعالى ( مالك يوم الدين ) لا يحده زمان ولا مكان واقرأ قوله
سبحانه : (
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق