الثلاثاء، 7 أبريل 2026

تفسير الفاحة للشعراوى 3 الجزء الأول

 

تفسير الفاتحة للشعراوى 3

(  مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ (4) ( الفاتحة ) .
إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ (5) ( الفاتحة ) .

إن كل نعم الله تستحق الحمد فإن ( مالك يوم الدين ) تستحق الحمد الكبير لأنه لو لم يوجد يوم للحساب لنجا الذى ملأ الدنيا شرورا دون أن يجازى على ما فعل ولكان الذى التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقى فى الحياة الدنيا ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو ( مالك يوم الدين ) فقد أعطى الاتزان للوجود كله هذه الملكية ليوم الدين هى التى حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق فى كون الله فإن الذى منع الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك بها القوى بالضعيف والظالم بالمظلوم أنه يوجد آخرة وحسابا وأن الله سبحانه وتعالى هو الذى سيحاسب خلقه .

والإنسان المستقيم استقامته تنفع غيره لأنه يخشى الله ويعطى كل ذى حق حقه ويعفو ويسامح فكل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل .

أما الإنسان العاصى فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه فإن ( مالك يوم الدين ) هى الميزان حيث أن الذى يفسد فى الأرض تنتظره الآخرة لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه فيطمئن المؤمن اطمئنانا كاملا إلى أن عدل الله سينال كل ظالم .

على أن ( مالك يوم الدين ) لها قراءتان ( مالك يوم الدين ) و ( ملك يوم الدين ) والقراءتان صحيحتان والله تبارك وتعالى وصف نفسه فى القرآن الكريم بأنه ( مالك يوم الدين ) ومالك الشىء هو المتصرف فيه وحده لا يوجد دخل لأى فرد آخر أنا أملك عباءتى وأملك متاعى وأملك منزلى وأنا المتصرف فى هذا كله أحكم فيه بما أراه .

( فمالك يوم الدين ) معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد فى اليوم ( يوم القيامة ) بدون أسباب وأن كل شىء سيأتى من الله مباشرة دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهرا .

ففى الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس ولكن فى يوم القيامة لا يوجد ظاهر فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى حيث يقول الله فى وصف يوم الدين :

( كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ (9) ) ( الانفطار ) .

فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان فى الدنيا لتمضى به الحياة ولكن فى الآخرة لا توجد أسباب الملك فى ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء واقرأ قوله تعالى :

( لِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (26)  ( آل عمران ) .

ولعل قوله تعالى ( تنزع ) تلفت إلى أن أحدا فى الدنيا لا يريد أن يترك الملك ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا رغما عن ارادته والله هو الذى ينزع الملك ممن يشاء .

هل الملك فى الدنيا والآخرة ليس لله ؟ فالأمر فى كل وقت لله ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك فى الأرض فنجد فى القرآن الكريم قوله تعالى :

(  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) البقرة

والذى حاج ابراهيم فى ربه كافر منكر للألوهية حيث أنه لم يأخذ الملك بذاته بل الله جل جلاله هو الذى آتاه الملك فالله تبارك وتعالى هو الذى استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك فى الأرض ظاهريا حيث أنه ملك ظاهر للناس حيث أنه بشرا أصبح ملكا ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك ولكنه نابع من أمر الله ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه والملك الظاهر يمتحن فيه العباد فيحاسبهم الله يوم القيامة كيف تصرفوا ؟ وماذا فعلوا ؟ ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم ؟ وهل استحبوا المعصية ؟

أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم ؟ والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم حتى لا يأتى واحد منهم يوم القيامة ويقول يا رب لو أنك أعطيتنى الملك لاتبعت طريق الحق وطبقت منهجك .

فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شىء فلماذا الامتحان ؟ حيث أن الجامعات فى كل أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها فهل أساتذة الجامعة الذين علموا الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم ؟ طبعا لا ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب فى الامتحان وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت ولو لم يعقد الامتحان لادعى كل طالب أنه يستحق مرتبة الشرف .

فإذا قال الحق تبارك وتعالى ( مالك بوم الدين ) أى الذى يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء واذا قيل / ملك يوم الدين

فتصرفه أعلى على المالكين لأن المالك لا يتصرف إلا فى ملكه ولكن الملك يتصرف فى ملكه وملك غيره فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره .

فالذين قالوا ( مالك يوم الدين ) أثبتوا لله سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو ظاهرا والذين يقرأون ملك يقولون إن الله سبحانه وتعالى فى ذلك اليوم يقضى فى أمر خلقه حتى الذين ملكهم فى الدنيا ظاهرا وعندما يأتى يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله .

الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا لله جل جلاله فعند القول ( مالك أو ملك يوم الدين ) يوجد يوم ويوجد الدين فاليوم من شروق الشمس إلى شروق الشمس ما يسمى فلكيا ( يوما ) واليوم فى معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث ويقول المفسرون ( مالك يوم الدين ) أى مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك فهذا بمقاييس ملكية البشر فالبشر لا يملكون الزمن فالماضى لا يمكن اعادته والمستقبل لا يمكن الاتيان به ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان واقرأ قوله سبحانه :

(  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ(47) ( الحج ) .

وقوله تعالى :

( تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ (4)  ( المعارج ) .

فعن طريق تأمل الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى حيث إن الله جل جلاله هو خالق الزمن فإنه يستطيع أن يخلق يوما مقداره ساعة ويوما كأيام الدنيا مقداره ( 24 س ) ويوما مقداره ( 1000 سنة ) ويوما مقداره ( 50000 سنة ) ويوما مقداره ( مليون سنة ) فذلك خاضع لمشيئة الله .

ويوم الدين موجود فى علم الله سبحانه وتعالى بأحداثه كلها بجنته وناره وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه وعندما يريد أن يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلى علم خلقه سواء كانوا من الملائكة أو من البشر أو الجان يقول كن فالله وحده هو خالق هذا اليوم وهو وحده هو الذى يحدد كل أبعاده واليوم الإنسان يحدده ظاهرا بأنه ( 24 س ) ونحدده بالليل والنهار ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الأرض فعندما تتحرك الأرض كل حركة هى نهاية نهار فى منطقة وبداية نهار فى منطفة أخرى وبداية ليل فى منطقة ونهاية ليل فى منطقة أخرى ففى كل لحظة ينته يوم ويبدأ يوم وهكذا فإن الكرة الأرضية لو تم أخذها بنظرة شاملة لا ينتهى عليها نهار أبدا ولا ينتهى عنها ليل أبدا فاليوم نسبى بالنسبة لكل بقعة فى الأرض ولكنه فى الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الأرضية .

والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنهم إذا أصابهم ظلم فى الدنيا فإنه يوجد يوما لا ظلم فيه وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده بدون أسباب فكل إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص فى الدنيا فإن الآخرة تنتظره والذى اتبع منهج الله وقيد حركته فى الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى أنه يوجد  يوما سيأخذ فيه أجره وعظمة الآخرة أنها تعطى الإنسان المؤمن الجنة نعيم لا يفوته المؤمن ولا يفوته النعيم فى الجنة .

ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين وقال له : ( أريد أن اعرف أانا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ ) فقال له الرجل الصالح أن الله أرحم بعباده فلم يجعل موازينهم فى أيدى أمثالهم فميزان كل إنسان فى يد نفسه لماذا ؟ لأن الإنسان يستطيع أن يغش الناس ولكن الإنسان المؤمن لا يغش نفسه ميزاناته فى يديه يوم القيامة حيث يستطيع أن يعرف  أن الإنسان أهو من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة .                                            

قال الرجل كيف ذلك ؟ فرد العبد الصالح : إذا دخل عليك من يعطيك مالا ودخل  عليك من يأخذ منك صدقة فبأيهما تفرح  ؟ فسكت الرجل فقال العبد الصالح إذا كنت تفرح بما يعطيك مالا ؟ فأنت من أهل الدنيا وإذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة فإن الإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه فالذى يعطى الإنسان مالا يعطيه الدنيا والذى يأخذ منه صدقه يعطيه الآخرة فإن كان الإنسان المؤمن من أهل الآخرة فافرح بمن يأخذ منك صدقة أكثر بمن فرحك بمن يعطى الإنسان المؤمن مالا .

حيث كان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتى إلى الآخرة بغير أجر ويستفيد بالفرحة والترحاب .

فقول الحق سبحانه وتعالى ( مالك يوم الدين ) هى قضية ضخمة من قضايا العقائد لأنها تعطى أن البداية من الله والنهاية إلى الله جل جلاله وبما أن الجميع سيلقى الله فلا بد من العمل ليوم ( مالك يوم الدين ) حيث إن المؤمن لا يفعل شيئا فى حياته إلا وفى باله الله وأنه سيحاسب يوم القيامة ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس فى باله الله وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه :

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39) ( النور ) .

وهكذا من يفعل شيئا وليس فى باله الله سيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذى لم يكن فى باله موجود وأنه جل جلاله هو الذى سيحاسبه .

وقوله تعالى ( مالك يوم الدين ) هى أساس الدين لأن الذى لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء فما دام يعتقد أنه لا يوجد آخرة ولا يوجد حساب فمم يخاف ؟ ومن أجل من يقيد حركته فى الحياة .

إن الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أنه يوجد حسابا فى الآخرة وأنه يوجد يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه وتعالى ليحاسب المخطىء ويثيب الطائع هذا هو الحكم فى كل التصرفات الإيمانية للبشر فلو لم يوجد يوم نحاسب فيه فلماذا نصلى ؟ ولماذا نصوم ؟ ولماذا نتصدق ؟ .

حيث إن كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على أساس يوم القيامة ( مالك يوم الدين ) اليوم الذى لن يفلت منه أحد والذى يجب الاستعداد له حيث إن الله سبحانه وتعالى سمى اليوم بالنسبة للمؤمنين ( يوم الفوز العظيم ) والذى يجعل المؤمنون يتحملون كل ما يكرهون ويجاهدون فى سبيل الله ليكتب لهم الشهادة فى سبيل الله ويتم انفاق الأموال ليتم اعانة الفقراء والمساكين فكل هذا أساسه أنه يوجد يوما سيقف فيه العباد بين يدى الله ليجازيهم على أعمالهم فى الدنيا والله تبارك وتعالى سماه ( يوم الدين ) لأنه اليوم الذى سيحاسب فيه كل إنسان على دينه عمل به أم ضيعه فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود فى الجنة ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود فى النار .

ومن عدل الله سبحانه وتعالى أنه يوجد يوما للحساب لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا فى الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا هل هؤلاء الذين أفلتوا فى الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله ؟ أبدا لم يفلتوا بل إنهم انتقلوا من عقاب محدود إلى عقاب خالد وأفلتوا من العقاب بقدرة البشر فى الدنيا إلى عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى فى الآخرة فلا بد من وجود يوم يعيد الميزان فيعاقب فيه كل من أفسد فى الأرض وأفلت من العقاب بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل إنسانا يفلت من عقاب الدنيا فلا تعتقد أن هذا خير له بل إنه شر له لأنه أفلت من عقاب محدود إلى عقاب أبدى .

والحمد الكبير لله بأنه ( مالك يوم الدين ) وهو وحده الذى سيقضى بين خلقه فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية وأساس التقوى هو يوم الدين .

فقول الحق تبارك وتعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فلا بد من التحدث عن قضية هامة فيوجد نوعان من الرؤية الرؤية العينية أى بالعين والرؤية الإيمانية أى بالقلب وكلاهما مختلف عن الآخر رؤية العين هى أن يكون الشىء أمام الإنسان يراه بعينيه وليس فيها قضية إيمان فما دام الإنسان يرى الشىء أمامه فهذا يقين ولكن الرؤية الإيمانية هى أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمام الإنسان وتكون الرؤية الإيمانية أكثر يقينا من رؤية العين لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة وهذه قضية هامة جدا

وقد روى عمر بن الخطاب قال :

بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه قال يا محمد أخبرنى عن الإسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه .

قال : فأخبرنى عن الإيمان ؟

قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .

قال : صدقت قال : فأخبرنى عن الإحسان ؟ قال :

أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

قال : فأخبرنى عن الساعة ؟

قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ؟

قال : فأخبرنى عن أماراتها

قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان .

قال : ثم انطلق فلبث عمر بن الخطاب مليا ثم قال له النبى صلى الله عليه وسلم يا عمر أتدرى من السائل ؟

قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : فإنه جبريل آتاكم يعلمكم دينكم .

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) هو بيان للرؤية الإيمانية فى النفس المؤمنة فالإنسان حينما يؤمن لا بد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون .

فذات يوم شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته ( الحارث ) فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟

فقال : أصبحت مؤمنا حقا .

قال الرسول : فانظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟

قال الحارث : عزفت نفسى عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى وكأنى أنظر عرش ربى بارزا وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . ( يتصايحون فيها ) .

قال النبى صلى الله عليه وسلم ( يا حارث ) ( عرفت فالزم ) .

فنجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول :

( أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ (1) ) ( الفيل ) .

يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية فى محاولة للطعن فى القرآن الكريم فقوله تعالى ( ألم تر ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فى عام الفيل أنه لم ير لأنه كان طفلا عمره أياما أو شهورا لو قال الله سبحانه وتعالى ( ألم تعلم ) لقلنا علم من غيره فالعلم يحصل عليه الإنسان أو يعطى له من علمه شيئا أى يعلمه غيره من البشر ولكن الله سبحانه وتعالى قال : ( ألم تر )

حيث إن هذه قضية من قضايا الإيمان فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة وقول الله ( ألم تر ) معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية فما دام الله تبارك وتعالى قال ( ألم تر ) فالإنسان يرى بإيمانه ما تعجز عينيه عن أن تراه هذه هى الرؤية الإيمانية وهى أصدق من رؤية العين لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا .

على أنه يوجد ضمير الغائب فإذا قيل زيد حضر فهو موجود أمام الإنسان ولكن إذا قيل قابلت زيدا فكأن زيدا غائب عن الإنسان فى الوقت الذى قيل فيه هذه الجملة قابلته ولكنه ليس موجودا مع الإنسان وقت الحديث .

فيوجد حاضر وغائب ومتكلم الغائب هو من ليس موجودا أو لا نراه وقت الحديث والحاضر هو الموجود وقت الحديث والمتكلم هو الذى يتحدث وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة ولكن الإيمان بما هو غيب ما يعطى الرؤية الإيمانية التى هى أقوى من رؤية البصر .

فالله سبحانه وتعالى حين يقول ( الحمد لله رب العالمين ) الله غيب ورب العالمين غيب والرحمن الرحيم غيب ومالك يوم الدين غيب وكأن السياق اللغوى يقتضى أن يقال إياه نعبد ولكن الله سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر وقال

( إياك نعبد ) فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب فلم يقل ( إياه نعبد ) ولكنه قال ( إياك نعبد ) فأصبحت رؤية يقين إيمانى .

فالإنسان المؤمن فى حضرة الله سبحانه وتعالى الذى غمره بالنعم والنعم يراها الإنسان المؤمن وتحيط به لأنه رب العالمين وجعل الإنسان المؤمن يطمئن إلى قضاء الله لأنه الرحمن الرحيم أى أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هى ربوبية

الرحمن الرحيم فإذا لم يحمده الإنسان المؤمن ويؤمن به بفضل نعمه التى يحسها ويعيش فيها الإنسان المؤمن فاحذر من مخالفة منهج الله لأنه ( مالك يوم الدين ) .

فحين يسنحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات التى فيها فضائل الألوهية ونعم الربوبية والرحمة التى تمحى الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة يكون الإنسان المؤمن قد انتقل من صفات الغيب إلى محضر الشهود حيث تم استحضار جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته ونعمه التى لا تعد ولا تحصى وقيوميته يوم القيامة .

فعند قراءة قوله تعالى ( إياك نعبد ) فالعبارة تفيد الخصوصية بمعنى أن إذا قلنا لإنسان ما أننى سأقابلك فقد أقابله وحده وقد أقابله مع جمع من الناس ولكن إذا قلنا ( إياك ) سأقابل فستكون المقابلة خاصة .

فالحق سبحانه وتعالى حين قال ( إياك نعبد ) قصر العبادة على ذاته الكريمة لأنه لو قال نعبدك وحدك فهى لا تؤدى نفس المعنى لأنه قد يقال نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا ولكن إذا قيل ( إياك نعبد ) وقدمت إياك تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه افعل ولا تفعل فجعل الصلاة أساس العبادة والسجود هو منتهى الخضوع لله لأن الإنسان المؤمن يأتى بوجهه الذى هو أكرم شىء فيه ويضعه على الأرض عند موضع القدم فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله ويتم هذا أمام الناس جميعا فى الصلاة لإعلان خضوع الإنسان المؤمن لله أمام البشر جميعا .

ويستوى فى العبودية الغنى والفقير والكبير والصغير حتى يطرد كل من المؤمنين الكبر والاستعلاء من قلوبهم أمام الناس جميعا فيساوى الحق جل جلاله بين عباده فى الخضوع له وفى إعلان الخضوع لله .

وقول الحق سبحانه وتعالى ( إياك نعبد ) تنفى العبودية لغير الله أى لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا ( فإياك نعبد ) أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه وبالالتفات لقوله تبارك وتعالى :

(  لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) ( الأنبياء ) .

فعندما نقول ( الحمد لله ) فالإنسان المؤمن يستحضر موجبات الحمد وهى نعم الله ظاهرة وباطنة وحين نقول ( رب العالمين )

نستحضر نعم الربوبية فى خلقه وإخضاع كونه وحين نستحضر ( الرحمن الرحيم ) فيتم استحضار الرحمة والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة وباستحضار ( مالك يوم الدين ) نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازى الإنسان على أعماله فى الدنيا  فإن كانت خيرا فجزاؤه  الجنة خالدا فيها وإن كانت أفعاله فى الدنيا سيئة فجزاؤه جهنم خالدا فيها حيث نقول ( إياك نعبد ) بمعنى عبادة الله عز وجل وحده فالمطلوب هو العبادة .

فعن طريق التحدث فى اللغة العربية عن ( العلة والمعلول ) فإذا أراد الابن النجاح فى الامتحان فلا بد أن يذاكر وعلة المذاكرة هى النجاح فكأن النجاح ولد فى ذهن الطالب أولا بكل ما يحققه لى من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك من مما يريده الإنسان ويسعى إليه .

فالدافع قبل الواقع أى استحضار النجاح فى عقل الطالب وعن طريق المذاكرة من أجل جعل النجاح حقيقة واقعة وإذا أراد الإنسان السفر إلى مكان ما فالسيارة سبب قد تحقق للإنسان ما يريده وقطع الطريق سبب آخر ولكن الدافع الذى جعل الإنسان ينزل من بيته ويركب السيارة ويقطع الطريق هو الوصول للإسكندرية فالدافع الوصول للإسكندرية .

والله سبحانه وتعالى خلقنا فى الحياة لنعبده مصداقا لقوله تبارك وتعالى :

(   وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ) ( الذاريات ) .

فعلة الخلق هى العبادة ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا ولكن ( العلة والمعلول ) لا تنطبق على أفعال الله سبحانه وتعالى فنقول لا يوجد علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة لأن الله تبارك وتعالى غنى عن العالمين ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة فالله سبحانه وتعالى خلق البشر ليعبدوه ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا فى ملكه وإنما العبادة ستعود على البشر أنفسهم بالخير فى الدنيا والآخرة .

حيث أن أفعال الله لا تعلل والمأمور بالعبادة هو الذى سينتفع بها ولكن هل العبادة هى الجلوس فى المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة كلها فى البيت وفى العمل وفى السعى فى الأرض ؟ ولو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن والله تبارك وتعالى له صفة القهر حيث أنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته مصداقا لقوله جل جلاله :  

(لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ (3) إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ( 4 ) ) الشعراء

فلو أراد الله أن يخضع البشر لمنهجه قهرا لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته وقد أعطى الله الدليل على عملية القهر بأن فى أجساد البشر وفى أحداث الدنيا ما البشر مقهورون عليه فالجسد مقهور لله فى أشياء كثيرة القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة من الإنسان والمعدة تهضم الطعام والإنسان لا يشعر بعملية الهضم والدورة الدموية فى الجسد البشرى لا إرادة للإنسان فيها وأشياء كثيرة فى الجسد البشرى كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى وليس لإرادة البشر دخل فى عملها وما يقع على فى الحياة الدنيا من أحداث الإنسان مقهور فيها لا يستطيع الإنسان منعه من الحدوث فلا يستطيع أن يمنع سيارة أن تصدم إنسان بعينه ولا طائرة تحترق به فى الجو ولا كل ما يقع على من أقدار الله فى الدنيا .

فمنطقة الاختيار فى حياة الإنسان المؤمن محددة فلا يستطيع التحكم فى يوم مولده ولا فيمن هو أبى ومن هى أمى ولا فى شكلى هل أنا طويل أم قصير ؟ جميل أم قبيح ؟ فمنطقة الاختيار فى الحياة هى المنهج أن أفعل ولا أفعل فالله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر ولكنه يريد من الانس والجن عبادة المحبوبية حيث خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأعطى له الاختيار فى أن نأتيه أو لا نأتيه فى أن نطيعه أو نعصاه فى أن نؤمن به أو لا نؤمن .

حيث إن حب الله فالإنسان المؤمن يأتيه عن اختيار نتنازل عما يغضبه حبا فيه ونفعل ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا فعن طريق التخلى عن الاختيار إلى مرادات الله فى منهجه يكون الإنسان المؤمن قد حقق عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى ويكون الإنسان المؤمن من عباد الله وليس من عبيد الله فالبشرية كلها عبيد لله سبحانه وتعالى متساوون فيما يقهرون عليه ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله فى التكليف فإن الحق جل جلاله يفرق فى القرآن الكريم بين العباد والعبيد فى قوله تعالى  (  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)  

( البقرة ) .

و قول سبحانه وتعالى :

( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63) ( الفرقان ) .

ولقد أعطى الله أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا سماهم عبيد مصداقا لقوله تعالى :

( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  182 ) ( آل عمران ) .

ولكن قد يقول قائل : إن الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه العزيز :

(  وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) ( الفرقان ) .

فالحديث عن العاصين والضالين ولكن الله سبحانه وتعالى قال عنهم عباد نقول إن هذا فى الآخرة وفى الأخرة كل البشر عباد لأن البشر مقهورون لطاعة الله الواحد المعبود تبارك وتعالى لأن الاختيار البشرى ينتهى ساعة الاحتضار ويصبح البشر جميعا عبادا لله مقهورين على طاعته لا اختيار للبشر فى شىء .

والله سبحانه وتعالى قد أعطى الإنسان اختياره فى الحياة الدتيا فى العبودية فلم يقهره فى شىء ولا يلزم غير المؤمن به بأى تكليف بل إن المؤمن هو الذى يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج الله فيدخل فى عقد إيمانى مع الله تبارك وتعالى فنجد أن الله جل جلاله لا يخاطب الناس جميعا فى التكليف وإنما يخاطب الذين آمنوا فيقول :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) ( البقرة ) .

ويقول سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) ( البقرة ) .

أى أن الله جل جلاله لا يكلف إلا المؤمن الذى يدخل فى عقد إيمانى مع الله وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عندما نضعه فى معيار العبادية يكون القمة فهو صلى الله عليه وسلم الذى حقق العبادية المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله .

فالذى يقول غاية الخلق كله محمد عليه الصلاة والسلام نقول إن هذا صحيح لأنه صلى الله عليه وسلم حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله تبارك وتعالى والتى هى علة الخلق فنعرف المقامات العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند خالقه .

والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه فقال جل جلاله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) أى لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك والاستعانة بالله سبحانه وتعالى تخرج الإنسان المؤمن من ذل الدنيا فاإنسان حين يستعين بغير الله فإنه يستعين ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها فى حدود بشريته .

فالبشر يعيشون فى عالم أغيار ( الحياة الدنيا ) فإن القوى يمكن أن يصبح ضعيفا وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح فى لحظة واحدة طريدا شريدا لا نفوذ له ولو لم يحدث هذا فقد يموت الإنسان الذى يستعان به فى الدنيا بالنسبة للذى طلب الاستعانة بغير الله ولا يجد الإنسان أحدا يعينه فى الدنيا غير الله .

ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا فيطلب منه أو يستعين بالحى الذى لا يموت وبالقوى الذى لا يضعف وبالقاهر الذى لا يخرج عن أمره أحد وإذا استعان الإنسان المؤمن بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانب الإنسان المؤمن وهو وحده الذى يستطيع أن يحول ضعف الإنسان المؤمن إلى قوة وإلى عز والمؤمن دائما يواجه قوى أكبر منه حيث إن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوى النفوذ الذين يحبون أن يستعبدوا غيرهم فالمؤمن سيدخل معهم فى صراع حيث أن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم فى الصراع بين الحق والباطل وقوله تعالى ( وإياك نستعين ) مثل

( إياك نعبد ) أى نستعين بك وحدك وهى دستور الحركة فى الحياة لأن استعان معناها طلب المعونة أى أن الإنسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته حيث لا بد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه ولن يتخلى عنه بل يستعين به وحين تتخلى الأسباب فيوجد رب الأسباب وهو موجود دائما لا يغفل عن شىء ولا تفوته همسة فى الكون حيث إن المؤمن سيتجه دائما إلى السماء والله سبحانه وتعالى يكون معه .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق